في وقت تتنافس فيه الشركات على جذب التمويل، يبدو أن المشهد انقلب رأسًا على عقب؛ إذ تتزاحم رؤوس الأموال اليوم خلف عدد محدود من الشركات الأميركية.
هذه الظاهرة اللافتة كشفها بيتر هيبيرت، الشريك المؤسس لشركة Lux Capital في نيويورك، والتي تدير أصولًا تتجاوز قيمتها 7 مليارات دولار.
ويضيف أن «هناك طلبًا لا ينضب، وشهيةً لا تُشبع، ويمكن لهذه الحفنة من الشركات جمع أي مبلغ من المال بأي ثمن تقريبًا».
وكشف هيبيرت أن هذه الحفنة من الشركات التي تعيش فترة ذهبية من ارتفاع شهية الاستثمار تنحصر في قطاعي منتجات الدفاع ومنتجات الذكاء الاصطناعي، وأن السوق ينقسم بين هذه الشركات من جهة، وتلك التي لا تقدم هذه المنتجات من جهة أخرى.
ووفق صحيفة «فايننشال تايمز»، مع استمرار الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط، وتزايد الاهتمام بالذكاء الاصطناعي، يستهدف المستثمرون هذين القطاعين بشكل مكثف في الولايات المتحدة، مما يجعلهما يتصدران قمة النمو الاستثماري.
ويثير هذا التركيز الكبير للاهتمام تساؤلًا حول مدى صعوبة حصول الشركات الأميركية عمومًا على التمويل اللازم للارتقاء إلى المستوى التالي.
النمو السريع هو السر
ووفقًا لرأس المال المُخاطِر توم لوفيرو، الشريك في شركة IVP، التي كانت من أوائل المستثمرين في منصة تداول العملات المشفرة Coinbase وشركة الأمن السيبراني CrowdStrike، فإن النمو يولد المزيد من النمو.
وأن الأسباب الأساسية التي تجعل المستثمرين يحبون شركات الدفاع أو الذكاء الاصطناعي هي «لأنها تنمو بسرعة كبيرة».
ويرى تقرير لموقع ibisworld.com أن الاستثمار العسكري يعيد بناء الصناعة الأمريكية، موضحًا أن الإنفاق الدفاعي الأمريكي يدخل الآن إحدى أهم مراحله منذ عقود.
فالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة، ومعيار الإنفاق الجديد لحلف الناتو البالغ 5%، والتقدم السريع في مجالات الطيران والفضاء والصواريخ والأنظمة السيبرانية، كلها عوامل تتضافر لإعادة تشكيل القاعدة الصناعية محليًا ودوليًا.
في الوقت نفسه، لطالما انجذبت رؤوس الأموال الاستثمارية إلى المنتجات التي تمثل أو تسهّل التحولات التكنولوجية، وقد كان هذا صحيحًا عند إنشاء الإنترنت، وعند ظهور الهواتف المحمولة وتقنياتها المرتبطة بها في الأسواق، وعند ظهور الحوسبة السحابية.
وهناك حافز للشركات لإعادة تقديم نفسها كلاعبين رئيسيين في طفرة الذكاء الاصطناعي لتأمين التمويل.
وقد نجحت بعضها في ذلك؛ فقبل طرحها الأولي للاكتتاب العام في سبتمبر/أيلول 2025، روّجت شركة التكنولوجيا المالية «كلارنا» لنفسها كشركة مدفوعات تركز على الذكاء الاصطناعي، وقد أثمر ذلك عندما جمعت ما يقرب من 1.4 مليار دولار.
وفي الأسبوع الماضي، قامت شركة «أولبيردز» لصناعة الأحذية بتحول أكثر جذرية، لكنه لا يزال دليلًا واضحًا نحو الذكاء الاصطناعي.

فبعد أن أعلنت الشركة المتعثرة عن نيتها التوجه نحو بنية الذكاء الاصطناعي، ارتفع سهمها بنسبة 582% في ذلك اليوم.
ويبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كان هذا الارتفاع الكبير في التداول سيُترجم إلى نمو ملموس لشركة “نيوبيرد إيه آي” بعد تغيير اسمها.
ويقول مايكل أنجلو فولبي، الشريك العام في شركة هانابي للاستثمار الجريء في المراحل المبكرة، إنّ التحدي الأكبر الذي يواجه الشركات غير المتخصصة في الذكاء الاصطناعي الساعية للنمو هو ضرورة “الدفاع عن وجودها” في عالمٍ يتمحور حول الذكاء الاصطناعي.
ويُعطي المستثمر، الذي تُركز شركته على الذكاء الاصطناعي، مثالاً على شركة تُطوّر برامج لإدارات الموارد البشرية: فإذا أرادت هذه الشركة النمو، عليها ضمان عدم قدرة الذكاء الاصطناعي على محاكاة منتجها.
وثمّة تعقيدات أخرى في رحلة جمع التمويل، فحتى لو حصلت الشركات الناشئة على تمويل تأسيسي، كما يقول لوفيرو من شركة IVP، فإنّ الخطوة التالية نحو تمويل السلسلة (أ) تُعدّ صعبة.
وإلى حدٍّ ما، كان هذا هو الحال دائمًا، فرأس المال التأسيسي أسهل في الحصول عليه من تمويل السلسلة (أ)، الذي عادةً ما يكون مبلغًا أكبر ويتطلّب التزامًا زمنيًا كبيرًا، كما هو الحال في الانضمام إلى مجلس الإدارة والمشاركة في إدارة الشركة.
لكن في الوقت الراهن، كما يقول لوفيرو، تتفاقم المشكلة بسبب “تزايد حجم التمويل التأسيسي بشكلٍ غير مسبوق”، في حين أنّ عدد شركات رأس المال الجريء التي تجمع مبالغ كبيرة للشركات في مختلف القطاعات لا يزال محدودًا نسبيًا.
وبالتالي فإن الخطوة من مرحلة البذرة إلى السلسلة أ قد تكون محفوفة بالمخاطر.
أسعار الفائدة تلعب دور
وتُعدّ أسعار الفائدة مهمة أيضاً، ويؤكد خيسوس ريبتو، من شركة تيتانيوم تورز للسياحة الفاخرة، ومقرها نيوجيرسي، قائلاً: “لا مجال للمقارنة بين أسعار الفائدة على القروض لأجل محدد” في الولايات المتحدة وأوروبا.
وتحتل الشركة المرتبة السادسة في تصنيف “أسرع الشركات نمواً في الأمريكتين لعام 2026” الذي أعدته صحيفة فايننشال تايمز وشركة البيانات ستاتيستا، بمعدل نمو سنوي مركب في الإيرادات بلغ 317.3%.
وعلى الرغم من أن شركة ريبتو تحقق تدفقات نقدية إيجابية، إلا أنه يلجأ أحياناً إلى قروض لأجل محدد لضخ رأس المال دون تخفيف حصص الملكية. وترتبط أسعار الفائدة على هذه القروض بسعر الفائدة المصرفية الصادر عن مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والذي أثبت استقراره أكثر مما كان متوقعاً.
كما تشهد أنماط الاستهلاك تحولاً، أو ركوداً. ويُشير فولبي من هانابي إلى مثال الإنفاق الدفاعي في أوروبا باعتباره موضوعاً بالغ الأهمية للمستثمرين في الوقت الراهن، نتيجةً لضغوط إدارة الرئيس دونالد ترامب على القارة لتعزيز قدراتها الدفاعية.
وفي غضون ذلك، في الولايات المتحدة، تُعيق أسعار الفائدة المرتفعة وأزمة القدرة على تحمل التكاليف العامة قدرة المستهلكين على الشراء من المتاجر، أو حتى التفكير في شراء منازل.
ويقول فولبي إن معظم الشركات التي تجمع التمويل “تتمتع بمرونة عالية وقدرة على التكيف”. ويضيف: “بطريقة أو بأخرى، ستجد الشركات بشكل متزايد كيفية وضع نفسها في فئة “المنتجات المتميزة”.
وحتى ذلك الحين، يبدو أن الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي تستحوذ على زمام الأمور في سعيها نحو النمو.





