أخبار خاصة

بين حقّ الرواتب وواقع الإفلاس: من يدفع ثمن دولة بلا إنتاج؟

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت


يبدو في الظاهر ، موقف موظفي الادارة العامة و لجنة المتعاقدين دفاعًا مشروعًا عن حقوقٍ مالية متأخرة. لكن عند وضعه في سياق الواقع المالي والإداري للدولة اللبنانية، يتكشّف تناقض بنيوي لا يمكن القفز فوقه: المطالبة بإنفاقٍ إضافي في لحظة انهيارٍ في الإيرادات وتراجعٍ حاد في الإنتاجية العامة.

أول ما يجب تثبيته هو أن الأزمة ليست تفصيلاً تقنياً ولا مجرّد “مماطلة”. وفق تقديرات البنك الدولي، شهد لبنان أحد أسوأ الانهيارات الاقتصادية عالميًا منذ منتصف القرن التاسع عشر، مع تراجع حاد في الناتج المحلي والإيرادات العامة، وتآكل القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق. كما تشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أن إيرادات الدولة اللبنانية تراجعت فعليًا بنسب كبيرة نتيجة الانكماش الاقتصادي والتهرب الضريبي وضعف الجباية، ما يجعل أي زيادة إنفاق غير ممولة تهديدًا مباشرًا للاستقرار المالي.

في هذا الإطار، يصبح السؤال بديهيًا: من أين ستأتي الدولة بالأموال؟
الدولة التي تعاني عجزًا مزمنًا، وتواجه صعوبة في تمويل خدماتها الأساسية، لا يمكنها ببساطة “طباعة” الموارد دون كلفة. التجربة اللبنانية نفسها منذ 2019 تُظهر أن أي تمويل عبر النقد يؤدي مباشرة إلى تضخم إضافي وانهيار في سعر الصرف، أي أن الزيادة الاسمية في الرواتب تتحول فعليًا إلى خسارة جديدة في القدرة الشرائية.

لكن الإشكالية الأعمق في البيان لا تتعلق فقط بالتمويل، بل بمسألة الشرعية الإنتاجية. فمنذ اندلاع الأزمة في 2019، شهدت الإدارات العامة في لبنان شللًا شبه مستمر، مع إضرابات متكررة، دوام جزئي، وانخفاض حاد في مستوى الخدمات. تقارير صادرة عن إدارة الإحصاء المركزي ومتابعات الديوان المركزي للمحاسبة تشير إلى تراجع فعلي في إنتاجية القطاع العام، وتعطّل إنجاز المعاملات، وتأخر الخدمات الأساسية للمواطنين.

هنا يظهر التناقض الصارخ:

  • موظفون يطالبون بزيادة رواتبهم وتعويضاتهم
  • في مقابل إدارة عامة شبه مشلولة
  • ودولة عاجزة ماليًا

أي أن المعادلة أصبحت: حقوق مالية بلا مقابل إنتاجي واضح.

ولا يتوقف التناقض عند هذا الحد. البيان نفسه ينتقد سرعة جباية الضرائب، لكنه في الوقت ذاته يطالب بزيادات إنفاقية كبيرة (منحة بالدولار، رفع بدل النقل، تعويضات إضافية)، دون تقديم أي تصور لإصلاح الإدارة أو تحسين الجباية أو رفع الإنتاجية. وهو ما يتعارض مع ما تؤكد عليه تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول ضرورة ربط الأجور في القطاع العام بالإنتاجية والإصلاح المؤسسي، خاصة في الدول التي تعاني أزمات مالية.

أما مسألة “الرواتب الستة”، فهي بحد ذاتها تعكس خللًا في طريقة إدارة المالية العامة: إقرار نفقات دون تأمين مصادر تمويلها. وهذه ليست مسؤولية وزارة المالية وحدها، بل نتيجة تراكم سياسات شعبوية وغير مستدامة على مدى سنوات، حيث تُقر الحقوق تحت الضغط ثم تُترك دون تنفيذ.

النقد هنا لا يعني إنكار معاناة الموظفين، بل وضعها في إطارها الواقعي:
المشكلة ليست فقط في “عدم الدفع”، بل في نموذج كامل قائم على:

  • تضخم جهاز الدولة
  • ضعف الإنتاجية
  • غياب الإصلاح
  • واستمرار منطق الحقوق دون واجبات

في الخلاصة، بيان لجنة المتعاقدين يطرح قضية محقة من حيث المبدأ (حق الأجر)، لكنه يتجاهل ثلاثة عناصر أساسية:

  1. الانهيار الحاد في إيرادات الدولة
  2. التراجع الكبير في أداء الإدارة العامة
  3. غياب أي طرح إصلاحي مقابل المطالب المالية

وهذا ما يجعل الخطاب أقرب إلى مطالبة أحادية الجانب، لا تأخذ في الاعتبار أن أي حل مستدام في لبنان اليوم لا يمكن أن يقوم إلا على معادلة واضحة: إصلاح مقابل تمويل، وإنتاجية مقابل أجر—وإلا فإن النتيجة ستكون مزيدًا من التضخم، ومزيدًا من تآكل ما تبقى من هذه الرواتب نفسها.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *