بينما كان العدّاؤون البشر يلهثون عند خط النهاية، أنهت روبوتات شبيهة بالبشر سباق نصف ماراثون في بكين بلا عرق ولا إرهاق.
لم يكن المشهد مجرد استعراض تكنولوجي طريف، بل إشارة إلى أن سباق الذكاء الاصطناعي انتقل من الشاشة والخوارزميات إلى العالم المادي، حيث تختبر الصين مستقبل الروبوتات كقوة عمل وسوق بتريليونات الدولارات.
الروبوتات تتفوق على البشر
قدّمت عشرات الروبوتات الشبيهة بالبشر، والمصنّعة في الصين، عرضًا لافتًا لقدراتها البدنية المتسارعة خلال سباق نصف ماراثون أُقيم في بكين يوم الأحد الماضي، بعدما نجح عدد منها في تجاوز متسابقين من البشر.
وشهدت نسخة هذا العام تحولًا ملحوظًا مقارنة بالعام الماضي، إذ ارتفع عدد الروبوتات المشاركة من نحو 20 إلى أكثر من 100 روبوت، فيما تمكن بعضها من تحقيق سرعات تفوقت على عدّائين محترفين، متجاوزة الفائزين من البشر بفارق تجاوز 10 دقائق، وفقًا لوكالة رويترز.
وأُقيم السباق على مسافة 21 كيلومترًا، حيث ركضت الروبوتات إلى جانب نحو 12 ألف مشارك من الرجال والنساء في مسارات منفصلة لتفادي الاصطدامات. كما استطاع نحو نصف الروبوتات المشاركة اجتياز المسار بشكل مستقل، دون الحاجة إلى توجيه بشري مباشر، وهو ما يعكس تطور أنظمة التوازن الذاتي.
وسجل الروبوت الفائز، الذي طورته شركة الهواتف الذكية الصينية Honor ويُدعى Lightning، زمنًا بلغ 50 دقيقة و26 ثانية، متفوقًا بذلك على الرقم القياسي العالمي البشري لنصف الماراثون المسجل الشهر الماضي باسم العداء الأوغندي جاكوب كيبليمو في لشبونة، رغم تعرضه لاصطدام قرب خط النهاية استدعى مساعدته على استعادة توازنه.
واحتلت فرق تابعة لشركة Honor المراكز الثلاثة الأولى، وجميعها بعمل ذاتي. وقال مهندسون في الشركة إن تطوير الروبوت الفائز استغرق عامًا كاملًا، وزُوّد بأرجل يتراوح طولها بين 90 و95 سنتيمترًا لمحاكاة خطوات العدّائين المحترفين، إلى جانب نظام تبريد سائل مستوحى من التقنيات المستخدمة في الهواتف الذكية.
سجل الروبوت الفائز في سباق نصف الماراثون، واسمه Lightning، زمنًا بلغ 50 دقيقة و26 ثانية، متفوقًا بذلك على الرقم القياسي العالمي البشري. (الصورة: PEDRO PARDO / AFP)
نسخة العام الماضي
في النسخة الأولى من السباق العام الماضي، واجهت الروبوتات صعوبات واسعة، إذ تعثر بعضها عند الانطلاق وفشل معظمها في إكمال المسافة. وسجل الروبوت الفائز حينها ساعتين و40 دقيقة، أي أكثر من ضعفي الوقت الذي سجله الفائز البشري.
5 تريليونات دولار
يُتوقع أن يتجاوز حجم سوق الروبوتات الشبيهة بالبشر عتبة 5 تريليونات دولار بحلول عام 2050، شاملاً مبيعات سلاسل التوريد، وشبكات الإصلاح، وخدمات الصيانة والدعم، وفقًا لتقديرات مورغان ستانلي.
ومن المرجح أن يتسارع تبنّي هذه الروبوتات في أواخر العقد الثالث من القرن الحالي، بفضل تطور التكنولوجيا وتزايد الدعم التنظيمي والمجتمعي. كما يُتوقع أن يتجاوز عددها مليار روبوت بحلول عام 2050، مع توجيه نحو 90% منها، أي ما يقارب 930 مليون وحدة، لإنجاز أعمال روتينية بسيطة ومتكررة خصوصًا في القطاعين الصناعي والتجاري.
وفي الوقت الراهن، يساهم الدعم الحكومي القوي في الصين في تعزيز ريادتها في سوق الروبوتات الشبيهة بالبشر، إذ تسعى إلى ترسيخ مكانتها قوةً عالمية رائدة في هذه الصناعة من خلال حزمة واسعة من السياسات الداعمة ومشاريع البنية التحتية الهادفة إلى تعزيز قدرات الشركات المحلية.
ومن المتوقع أن تتصدر الصين قائمة الدول من حيث عدد الروبوتات الشبيهة بالبشر بحلول عام 2050، بنحو 302.3 مليون روبوت، تليها الولايات المتحدة بما يقارب 77.7 مليون روبوت، مقارنةً بتقديرات سابقة أشارت إلى نحو 63 مليون روبوت، بحسب مورغان ستانلي.
في المقابل، توقّع الملياردير الأميركي إيلون ماسك في أكتوبر/تشرين الأول 2024 وجود ما لا يقل عن 10 مليارات روبوت شبيه بالبشر بحلول عام 2040، تتراوح تكلفة الواحد منها بين 20 ألفًا و25 ألف دولار، وهو عدد يفوق عدد سكان العالم.
الواقع الحالي والتحديات
لا تزال معظم التطبيقات المجدية اقتصاديًا للروبوتات الشبيهة بالبشر في مراحلها التجريبية، إلا أن استعراض قدراتها البدنية في سباق نصف الماراثون أبرز إمكاناتها في إحداث تحول في مجالات متعددة، بدءًا من الوظائف الخطرة وصولًا إلى المهام القتالية في ساحات المعارك.
ومع ذلك، لا تزال شركات الروبوتات الصينية تواجه تحديات في تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي التي تمكّن هذه الروبوتات من مجاراة كفاءة عمال المصانع من البشر.
ويرى خبراء أن المهارات التي ظهرت خلال السباق، رغم طابعها الاستعراضي، لا تعني قرب انتشار تجاري واسع للروبوتات الشبيهة بالبشر في البيئات الصناعية، حيث تُعدّ البراعة اليدوية، والإدراك الواقعي للعالم المحيط، والقدرة على أداء مهام تتجاوز الأعمال الصغيرة والمتكررة، عوامل مهمة.
تكلفة الروبوتات البشرية
ترتفع تكلفة الروبوتات الشبيهة بالبشر بسبب تعقيد تصميمها، إذ تعتمد على نماذج برمجية متقدمة وتكاملٍ سلس بين المكونات المادية والبرمجية. ووفقًا لتقديرات بحثية صادرة عن مورغان ستانلي، بلغت تكلفة الروبوت الواحد نحو 200 ألف دولار في عام 2024 في الدول ذات الدخل المرتفع.
لكن مع توسع الإنتاج وتحسن كفاءة التصنيع، يُتوقع أن تشهد هذه التكاليف تراجعًا تدريجيًا، لتصل إلى نحو 150 ألف دولار بحلول عام 2028، ثم إلى قرابة 50 ألف دولار بحلول عام 2050. وفي الاقتصادات ذات الدخل المنخفض، التي يُرجّح أن تستفيد من سلاسل التوريد الصينية الأرخص، قد تهبط الأسعار إلى نحو 15 ألف دولار للروبوت الواحد بحلول منتصف القرن.


