تشهد تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب قفزة حادة، ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل النفط عبر مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. هذا الارتفاع لا يضيف فقط أعباء مالية جديدة على صادرات دول الخليج، بل يفتح الباب أيضًا أمام مخاوف متزايدة بشأن احتمال امتداد الاضطرابات إلى نطاق أوسع، بما قد يهدد سلاسة حركة التجارة العالمية ويعيد رسم ملامح تدفقات الطاقة والأسواق الدولية.
قفزة أقساط التأمين البحري تعيد تسعير المخاطر في الخليج
يشمل التأمين البحري ضد مخاطر الحرب تغطية جسم السفينة، وحمولتها، فضلًا عن المسؤوليات المرتبطة بها، وهو نوع من التأمين صُمم خصيصًا لمواجهة الأخطار الاستثنائية التي قد تتعرض لها السفن في أوقات النزاعات. ومع تصاعد مستوى المخاطر في منطقة الخليج، لم يعد تسعير هذه الوثائق ثابتًا أو تقليديًا، بل بات يخضع لمراجعات مستمرة وشاملة، وسط اتجاه واضح من شركات التأمين إلى تشديد شروط الاكتتاب وانتقاء المخاطر بدرجة أكبر من الحذر، وفق ما أشار إليه تقرير صادر في مارس 2026 عن الاتحاد الدولي للتأمين البحري.
هذا التحول انعكس بشكل مباشر على المصدرين في دول الخليج، الذين يعتمدون بصورة أساسية على مضيق هرمز كممر حيوي لصادراتهم النفطية، إذ قفزت تكاليف التغطية التأمينية ضد مخاطر الحرب إلى مستويات ملحوظة. وبحلول يوم الأربعاء، كانت حركة الشحن التجاري قد توقفت إلى حد كبير داخل المضيق بفعل تصاعد الأزمة، رغم ورود تقارير تفيد بتمكن بعض السفن من عبور الحصار الأميركي خلال الأيام الماضية.
وقبل اندلاع الأزمة، كانت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العاملة في الشرق الأوسط تدور حول مستوى 0.25% من قيمة السفينة، أي ما يعادل نحو 250 ألف دولار لكل رحلة لسفينة تُقدّر قيمتها بـ100 مليون دولار، بحسب تقرير صادر في آذار 2026 عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. إلا أن هذه التكلفة شهدت قفزات حادة خلال الأزمة، حيث تضاعفت، بل وقد تصل إلى ثلاثة أضعاف، لتتراوح بين 500 ألف ومليون دولار للرحلة الواحدة للسفينة نفسها.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس قطاع التأمين البحري والجوي وأمين لجنة الحرب المشتركة في رابطة سوق لوديز (Lloyd’s Market Association)، نيل روبرتس، أن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لا تخضع لمعيار موحد، بل تختلف بشكل كبير تبعًا لعدة عوامل، من بينها حجم السفينة، ومسار الرحلة، والخصومات المطبقة. وأضاف أن شركات التأمين تضطر إلى تقييم كل رحلة على حدة، مؤكدًا أنه لا يوجد سعر ثابت يمكن تطبيقه على جميع الحالات.
ولا تتوقف هذه التقديرات عند مستوى معين، إذ تخضع الأقساط لإعادة تقييم مستمرة بالتوازي مع تطور المخاطر على الأرض، بينما يدخل كل من شركات التأمين ومُلّاك السفن في مفاوضات متواصلة لإعادة تحديد الشروط وفقًا للمتغيرات. وفي آذار، وسّعت لجنة الحرب المشتركة التابعة لكل من لويدز والاتحاد الدولي للتأمين البحري قائمة المناطق عالية المخاطر لتشمل البحرين والكويت وسلطنة عُمان وقطر، وهي مناطق قد تتطلب عبور السفن فيها تغطيات إضافية ضد مخاطر الحرب. وتُستخدم هذه القائمة كمرجع أساسي يساعد شركات التأمين ومشغلي السفن على تحديد المناطق التي تستدعي فرض أقساط إضافية، وفقًا لما ذكرته (NNPC Marine Insurance).
تعطل صادرات الخليج وتداعيات أوسع على التجارة العالمية
بعيدًا عن الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين، بات ملاك السفن أكثر ترددًا في تمرير سفنهم عبر مضيق هرمز، في ظل حالة عدم اليقين بشأن احتمالات التعرض لهجمات. وفي هذا السياق، أوضح نيل روبرتس أن العامل الحاسم بالنسبة لمالكي السفن لا يتعلق فقط بالتكلفة، بل بدرجة الأمان وتقييم المخاطر المرتبطة بكل رحلة، قائلًا إن القرار الأساسي يتمحور حول ما إذا كانت الرحلة آمنة للسفينة والطاقم أم لا.
وخلال فترة الصراع، تم تسجيل أكثر من 25 هجومًا على شحنات تجارية، إلى جانب اضطرابات في تدفقات النفط من الموانئ الإقليمية، وفقًا للجنة الحرب المشتركة التابعة لرابطة سوق لويدز، وهو ما أدى إلى تقييد واضح لقدرة المصدرين في الخليج على تحريك شحناتهم البحرية خلال الأشهر الأخيرة.
وقد امتدت تداعيات هذه الاضطرابات إلى التجارة العالمية عمومًا، وإلى مصدري المنطقة خصوصًا، ولا سيما في قطاع الطاقة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، كان يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات المكررة خلال عام 2025، فيما أشارت بيانات صادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن نحو 38% من الإمدادات العالمية من النفط الخام كانت تمر عبر المضيق قبل اندلاع الأزمة بأسبوع واحد فقط، ما يعكس حجم الاعتماد العالمي على هذا الممر الحيوي.
في المقابل، يواجه مشترو النفط القادم من الشرق الأوسط ارتفاعًا في التكاليف واحتمالات اضطراب الإمدادات المرتبطة بالشحن عبر المضيق. ووفقًا لبيانات شركة Windward المتخصصة في تحليل الشحن البحري، ارتفعت أسعار الشحن على الخطوط بين أوروبا والخليج بنحو 25% مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة.
ولا تزال آسيا تمثل الوجهة الرئيسية لصادرات النفط الخليجية، حيث استوردت الصين والهند معًا نحو 6.7 مليون برميل يوميًا من النفط المار عبر المضيق خلال العام الماضي، مقابل نحو 500 ألف برميل يوميًا إلى الأميركتين، و600 ألف برميل يوميًا إلى أوروبا، بحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية.
وترى كبيرة محللي أسواق النفط قصيرة الأجل في إس آند بي جلوبال إنرجي، ريباكا فولي، أن عودة الاستقرار في حركة التجارة عبر هرمز لن تعني بالضرورة انفراجًا فوريًا في السوق، موضحة أنه حتى مع عودة التدفقات، سيستغرق الأمر وقتًا حتى تستعيد منطقة الشرق الأوسط مستويات الإنتاج والتكرير الطبيعية، في ظل بقاء الأسواق المادية في حالة شح نسبي.
كما تمتد هذه التداعيات إلى سوق الغاز الطبيعي، حيث يمر أكثر من 90% من صادرات قطر والإمارات من الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. ورغم وجود بعض البدائل عبر مسارات في السعودية والإمارات، فإن الخيارات تظل محدودة، ما يعزز من مركزية مضيق هرمز كحلقة لا يمكن الاستغناء عنها في منظومة الشحن البحري والتجارة العالمية.
وفي هذا الإطار، شدد نيل روبرتس على أن العالم يحتاج إلى بقاء المضيق مفتوحًا من أجل احتواء الارتفاع الحاد في التكاليف الناتج عن التأخير، معربًا عن أمل قطاع التأمين في التوصل إلى تسوية سلمية تسمح بعودة حركة التجارة إلى طبيعتها.




