عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
في مشهد مالي يعكس تحوّلاً تدريجياً في السياسة النقدية، تُظهر ميزانيّة مصرف لبنان خلال النصف الأول من شهر نيسان 2026 تحسّناً ملموساً في موجوداته الخارجية، مدفوعةً بعوامل داخلية وخارجية متشابكة، أبرزها ارتفاع أسعار الذهب وتراجع الضغوط التضخمية العالمية.
فخلال أسبوعين فقط، ارتفعت الموجودات الخارجية بالعملات الأجنبية بنحو 142.65 مليون دولار (أي بنسبة 1.24%)، لتستقر عند حدود 11.53 مليار دولار، مقارنةً مع 11.68 مليار دولار في نهاية آذار. ورغم هذا التحسّن الظرفي، فإن الاتجاه العام منذ بداية العام لا يزال يُظهر تراجعاً بنحو 220 مليون دولار، ما يعكس استمرار الضغوط البنيوية على احتياطات العملات الأجنبية.
لكن الصورة تختلف جذرياً عند النظر إلى الذهب، الذي يواصل لعب دور “الملاذ الأخير” في ميزانية المصرف المركزي. فقد ارتفعت قيمة احتياطي الذهب بنسبة 5.40% خلال أسبوعين فقط، لتصل إلى نحو 44.40 مليار دولار (ما يعادل 3,973 تريليون ليرة لبنانية)، مستفيداً من الارتفاع العالمي للأسعار في ظل الترقب الجيوسياسي، ولا سيما احتمالات التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران.
هذا الارتفاع لم يكن تفصيلاً، بل أعاد تشكيل هيكل ميزانية المصرف، إذ بات الذهب يشكّل نحو 47.59% من إجمالي الأصول، مقابل 12.52% فقط للموجودات بالعملات الأجنبية، ما يعكس تحوّلاً واضحاً نحو الاعتماد على الأصول الصلبة بدلاً من السيولة الخارجية.
من “سياسة الاستنزاف” إلى “إدارة الانكماش”
التحسّن النسبي في بعض المؤشرات لا يمكن فصله عن التحوّل في السياسة النقدية منذ آب 2023، والتي ارتكزت على ثلاث ركائز:
- وقف تمويل الحكومة
- رفع الدعم عن معظم السلع
- الحدّ من طباعة العملة
هذه الإجراءات ساهمت في كبح النزف السريع للاحتياطات، لكنها في المقابل عمّقت الانكماش الاقتصادي، ما يضع المصرف أمام معادلة دقيقة بين الاستقرار النقدي والنمو.
ميزانية تكبر… لكن بتركيبة مختلفة
إجمالاً، ارتفعت ميزانية مصرف لبنان بنسبة طفيفة بلغت 0.19% لتصل إلى 8,348.94 تريليون ليرة. وقد جاء هذا الارتفاع نتيجة:
- نمو احتياطي الذهب
- تحسّن الأصول الأخرى (+7.51%)
- زيادة عمليات السوق المفتوحة المؤجلة (+0.67%)
في المقابل، تراجعت بنود أساسية مثل:
- فروقات تقييم الذهب والعملات (-16.47%)
- التسليفات للقطاع المالي (-1.72%)
قراءة في الاتجاهات السنوية
على أساس سنوي، تكشف الأرقام مفارقة لافتة:
- ارتفاع الموجودات بالعملات الأجنبية بشكل طفيف (+0.61 مليار دولار)
- قفزة كبيرة في قيمة الذهب مقارنةً بعام 2025 (حين بلغ نحو 29.73 مليار دولار)
هذا الفارق يعكس بوضوح أن التحسّن في ميزانية المصرف لا يأتي من تدفقات نقدية جديدة، بل من إعادة تقييم الأصول، وتحديداً الذهب، في ظل بيئة عالمية تتسم بارتفاع التضخم والتوترات التجارية.
الخلاصة: استقرار هشّ بأدوات محدودة
ما تعكسه ميزانية نيسان 2026 ليس انتعاشاً اقتصادياً بقدر ما هو إدارة محسّنة للأزمة. فالمصرف المركزي نجح في إبطاء استنزاف احتياطاته، مستفيداً من الظروف الدولية، لكنه لم يتمكن بعد من إعادة بناء مصادر تدفّق العملات الأجنبية.
وفي ظل استمرار الاعتماد الكبير على الذهب، تبقى المعادلة اللبنانية رهينة عاملين:
- تطورات الأسواق العالمية وأسعار الذهب
- القدرة الداخلية على استعادة الثقة وجذب التدفقات
إلى ذلك الحين، سيبقى الاستقرار النقدي قائماً… لكن على أرضية هشّة.







