الاحتفاظ بسيولة نقدية جاهزة يعد سلوكاً حكيماً، لكن تحويل جزء كبير من الثروة إلى نقد قد يكون من أخطر القرارات على المدى الطويل، بحسب كاتب العمود في صحيفة “فاينانشال تايمز”، جيمس هندرسون، مستدعياً واحدة من أولى تجاربه المهنية، حين وصف مدير استثمارات في صندوق تقاعد “حيازة النقد” بأنها “أخطر أصل” في المحفظة.
وقال هندرسون: “للوهلة الأولى بدت العبارة وقتها كصرخة على أحد الحضور النائمين في القاعة، لكنها مع مرور الزمن أثبتت دقتها.. ولماذا صرخ فينا بالتحذير؟”.
الخطر الأكبر الذي يهدد المدخرات طويلة الأجل هو التضخم. فمنذ 2010، تجاوز معدل التضخم في أغلب الفترات سعر الفائدة الأساسي في بريطانيا، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للنقود. فالسلع التي كانت تحتاج إلى 10 آلاف جنيه إسترليني لشرائها في 2016، يبلغ سعرها اليوم نحو 13.9 ألف جنيه، أي زيادة تقارب 40%. حتى الادخار في حسابات نقدية معفاة من الضرائب (Cash ISA) لم يكن كافياً لمواكبة ذلك التآكل، بينما حققت الاستثمارات في الأسهم، خصوصاً العالمية منها، عوائد أعلى بكثير خلال الفترة نفسها.
ورغم هذه الحقائق، لا يزال النقد يتصدر خيارات المدخرين. ففي 2023-2024، ذهب نحو 67% من مدخرات حسابات “آيزا” إلى النقد، فيما تبلغ نسبة النقد 41% من إجمالي الأصول المحتفظ بها في هذه الحسابات.
كما شهد النصف الثاني من 2025 سحب أكثر من 10.5 مليار جنيه إسترليني من صناديق الأسهم. صحيح أن جزءاً من هذه السيولة يخصص لما يعرف ب”احتياطي الطوارئ”، لكن كثيرين يبررون الاحتفاظ بالنقد بانتظار تراجع الأسواق، على أمل اقتناص الفرص لاحقاً، متناسين أن الدخول المبكر إلى السوق غالباً ما يكون أفضل من محاولة توقيت السوق.
المفارقة أن هذا التحفظ لا يمتد إلى سوق العقارات. فجيل كامل من ملاك المنازل ينظر إلى شراء العقار باعتباره أفضل استثمار في حياتهم، رغم أنه في جوهره ينطوي على قدر كبير من المخاطرة والاقتراض. فهبوط أسعار المنازل بنسبة طفيفة قد يؤدي إلى خسائر كبيرة في رأس المال المدفوع مقدماً، ومع ذلك قبِل المشترون هذه المخاطرة، بينما يترددون تجاه استثمارات أخرى.
هذا النفور من المخاطر لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات. فصناديق تقاعد كبرى خفضت انكشافها على الأسهم والعقارات لصالح السندات الحكومية منخفضة العائد، فيما فضلت الشركات استخدام السيولة في خفض الديون أو إعادة شراء الأسهم بدلاً من الاستثمار في التوسع والنمو. وبحسب الكاتب، تراجع إنتاجية الاقتصاد وضعف النمو، ما يطرح تساؤلات حتى حول دور أسعار الفائدة المرتفعة في كبح التضخم مقابل تأثيرها السلبي على الاستثمار.
ومع تزايد التحذيرات، بدأت الجهات الرقابية تدرك المخاطر طويلة الأجل للإفراط في الاعتماد على النقد. فقد أبدت هيئة السلوك المالي البريطانية استعداداً لتشجيع شركات الاستثمار على شرح العوائد المحتملة وليس المخاطر فقط، وتبسيط اللغة التي تنفر كثيرين من عالم الاستثمار.
يبقى الاحتفاظ بالنقد ضرورياً لتغطية الطوارئ أو الأهداف قصيرة الأجل. لكن لمن يدخر على المدى الطويل، فإن تجاهل الأصول الحقيقية – مثل الأسهم العالمية، الائتمان، العقارات، السلع والذهب – قد يكون تكلفة باهظة في المستقبل. التنويع، والاستثمار المنتظم، وتقبل قدر محسوب من المخاطر، تظل أدوات أساسية لحماية المدخرات من الخطر الصامت… خطر البقاء في النقد.




