في أعقاب كل حرب أو صدمة جيوسياسية، يواجه المستهلكون ظاهرة اقتصادية لافتة تُعرف باسم اقتصاد “الصاروخ والريشة”، حيث ترتفع الأسعار بسرعة حادة تشبه انطلاق الصاروخ، لكنها عندما تبدأ في التراجع تنخفض ببطء شديد كحركة الريشة. هذه القاعدة الاقتصادية القاسية برزت مجددًا مع تداعيات الحرب على إيران، لتؤكد أن انتهاء الصراع أو تراجع أسعار النفط لا يعني بالضرورة انخفاضًا سريعًا في تكاليف المعيشة.
مع اندلاع الحرب، شهدت أسعار النفط قفزة فورية نتيجة المخاوف من اضطراب الإمدادات، ما انعكس سريعًا على مختلف القطاعات الاقتصادية.
الأسعار ترتفع كالصاروخ
وقد أدى ارتفاع تكاليف الطاقة، التي تُعد العمود الفقري للاقتصاد العالمي إلى زيادة أسعار البنزين ووقود النقل، وتذاكر الطيران.
وارتفعت أيضا أسعار السلع الغذائية، إضافة إلى تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية.
ويعكس هذا الانتقال السريع لارتفاع الأسعار حساسية الأسواق تجاه المخاطر الجيوسياسية، حيث تتفاعل الشركات بسرعة لحماية هوامش أرباحها في مواجهة ارتفاع التكاليف.
الانخفاض بطيء كحركة الريشة
رغم إعلان الهدنة وتراجع أسعار النفط لاحقًا، فإن الأسعار لا تنخفض بالوتيرة نفسها.
وتشير تقديرات صحيفة فايننشال تايمز إلى أن عملية انتقال انخفاض التكاليف إلى المستهلكين قد تستغرق أشهرًا، نتيجة مجموعة من العوامل الاقتصادية والتشغيلية.
قطاع الطيران.. نموذج واضح
يُعد قطاع الطيران مثالًا بارزًا على هذه الظاهرة. فقد ارتفعت أسعار وقود الطائرات بنحو 80% خلال فترة الحرب، ما دفع شركات الطيران إلى رفع أسعار التذاكر، فرض رسوم إضافية على الأمتعة وزيادة تكاليف الخدمات والحجوزات.
ورغم تراجع أسعار الوقود لاحقًا، فإن هذه الشركات غالبًا ما تُبقي على الأسعار المرتفعة لفترة أطول، سعيًا لتعويض الخسائر التي تكبدتها خلال الأزمة وتحسين أوضاعها المالية.
الزراعة والغذاء.. تأثير ممتد
لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار الطاقة على النقل فحسب، بل يمتد أيضًا إلى القطاع الزراعي، حيث يعتمد المزارعون على الديزل لتشغيل المعدات، الأسمدة التي ترتبط صناعتها بأسعار الغاز والطاقة وتكاليف الشحن والتخزين.
وبالتالي، حتى مع انخفاض أسعار النفط، فإن التكاليف المرتفعة التي تحمّلها المزارعون سابقًا تستمر في الظهور على رفوف المتاجر لفترة طويلة، مما يؤخر انخفاض أسعار الغذاء.
الشحن وسلاسل الإمداد
تشهد أسعار الشحن أيضًا سلوكًا مشابهًا، إذ تستغرق شركات النقل والخدمات اللوجستية وقتًا أطول لخفض أسعارها بسبب العقود طويلة الأجل، وتقلبات الطلب، ومحاولات استعادة الخسائر السابقة.
ويساهم هذا في استمرار الضغوط التضخمية حتى بعد انحسار الصدمات الأولية.
لماذا يحدث ذلك؟
تعود ظاهرة “الصاروخ والريشة” إلى عدة أسباب رئيسية، أبرزها سرعة تمرير التكاليف، حيث ترفع الشركات الأسعار فور ارتفاع التكاليف لحماية هوامش الربح، وبطء تمرير الانخفاض؛ إذ تتردد الشركات في خفض الأسعار سريعًا لتعويض الخسائر السابقة.
ومن بين الأسباب العقود طويلة الأجل، فبعض القطاعات، مثل الشحن والطاقة، تعتمد على عقود لا تسمح بتعديل الأسعار فورًا. توقعات التضخم، حيث تستمر المخاوف من تقلبات مستقبلية يدفع الشركات للحفاظ على مستويات أسعار مرتفعة.
وتشمل أيضا ضعف المنافسة في بعض القطاعات ما يقلل من الضغوط لخفض الأسعار بسرعة.
التأثير على المستهلكين والاقتصاد
تؤدي هذه الظاهرة إلى استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة حتى بعد انتهاء الأزمات، وإطالة أمد التضخم وتأخير تعافي الاقتصاد.
كما تؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للأسر، وتعقيد قرارات السياسة النقدية للبنوك المركزية.
تكشف ظاهرة اقتصاد “الصاروخ والريشة” عن حقيقة اقتصادية مهمة: الأسواق لا تتحرك بالسرعة نفسها في الاتجاهين. فبينما ترتفع الأسعار بسرعة مدفوعة بالخوف وعدم اليقين، فإنها تنخفض ببطء نتيجة حسابات الشركات وسعيها لتعويض الخسائر.
ومع تزايد التوترات الجيوسياسية عالميًا، من المرجح أن تظل هذه الظاهرة أحد أبرز التحديات التي تواجه المستهلكين وصنّاع السياسات على حد سواء.


