ناجي الخوري
في عالمٍ مالي يتّسم بالتشابك والتسارع غير المسبوق، لم تعد حركة رؤوس الأموال تخضع فقط لمعايير الاستثمار التقليدي المرتبط بالإنتاج والنمو طويل الأمد، بل باتت محكومة بشكل متزايد باعتبارات السرعة والربح الآني. تحت هذا العنوان تندرج ظاهرة “الأموال الساخنة” كأحد أبرز ملامح العولمة المالية الحديثة، حيث تتنقل مليارات الدولارات عبر الحدود خلال ساعات، بحثاً عن فروقات الفوائد أو فرص المضاربة السريعة، من دون أي ارتباط حقيقي بالاقتصاد الفعلي للدول المستقبِلة.
تدفقات، قد تبدو في ظاهرها عاملاً إيجابياً يدعم السيولة ويعزز النشاط المالي، الا انها تحمل في جوهرها بذور اختلالات عميقة، تجعل منها خطراً صامتاً يهدد استقرار الأسواق الناشئة بشكل خاص.
فقد شهدت الأسواق الناشئة خلال العقدين الماضيين تحولات جذرية في بنيتها التمويلية، مع تراجع دور التمويل التقليدي القائم على القروض طويلة الأجل والاستثمار المباشر، مقابل صعود لافت لتدفقات المحافظ المالية قصيرة الأجل.
تحول لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة سياسات نقدية توسعية اعتمدتها الاقتصادات الكبرى بعد الأزمات المالية، ما أدى إلى ضخ سيولة هائلة في النظام المالي العالمي، الذي دفع، مع انخفاض العوائد في الأسواق المتقدمة، بالمستثمرين نحو الأسواق الناشئة بحثاً عن عوائد أعلى، مستفيدين من فروقات الفائدة وأسعار الصرف، ومراهنين على استقرار نسبي في هذه الاقتصادات.
غير أن هذه التدفقات، رغم دورها في تمويل العجز وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي مؤقتاً، افتقرت إلى عنصر الاستقرار. فهي بطبيعتها انتهازية، تدخل بسرعة عند تحسن المؤشرات، وتخرج بالسرعة نفسها عند أول إشارة خطر. هنا تكمن الإشكالية الأساسية: إذ إن الاعتماد المتزايد على هذا النوع من التمويل يجعل الاقتصادات الناشئة عرضة لتقلبات خارجية لا تملك السيطرة عليها، بدءاً من تغيّر سياسات الفائدة في الولايات المتحدة، مروراً بتقلبات أسعار الطاقة، وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية التي تعيد رسم خريطة المخاطر العالمية.
الأخطر من كل ذلك أن الأموال الساخنة لا تكتفي بنقل العدوى المالية، بل تضخم آثارها. ففي فترات الانتعاش، تؤدي إلى تضخيم أسعار الأصول، سواء في أسواق الأسهم أو السندات أو حتى العقارات، ما يخلق فقاعات مالية يصعب تبريرها بالأسس الاقتصادية. وعندما تنقلب المعنويات، تتحول هذه الفقاعات إلى نقاط ضعف، حيث يؤدي خروج الأموال بشكل جماعي إلى انهيارات حادة في الأسعار، وتراجع في قيمة العملات المحلية، وارتفاع في كلفة التمويل، ما يضع الحكومات والبنوك المركزية أمام تحديات معقدة تتعلق بإدارة الاستقرار النقدي والمالي.
وفي بيئة دولية تتسم بارتفاع معدلات الفائدة وتشديد السياسات النقدية، كما هو الحال في المرحلة الراهنة، تتزايد حساسية هذه التدفقات لأي تغيير في العوائد العالمية. فكل ارتفاع في العائد على الأصول الآمنة في الاقتصادات المتقدمة يدفع المستثمرين إلى إعادة توجيه أموالهم بعيداً عن الأسواق الناشئة، ما يخلق موجات خروج مفاجئة قد تؤدي إلى أزمات سيولة حادة.
فقد أثبتت التجارب السابقة، من الأزمة الآسيوية في أواخر التسعينيات إلى أزمات الأسواق الناشئة المتكررة، أن هذا النمط من التدفقات قادر على تحويل الاختلالات الصغيرة إلى أزمات شاملة خلال فترة زمنية قصيرة.
مشهد لا يمكن فصله عن البعد الجيوسياسي، الذي بات يلعب دوراً متزايداً في توجيه حركة رؤوس الأموال. فالتوترات الإقليمية، والحروب، والعقوبات الاقتصادية، كلها عوامل تعيد تشكيل أولويات المستثمرين، وتدفعهم نحو تقليل انكشافهم على المخاطر. وفي هذا الإطار، تصبح الأسواق الناشئة، رغم ما تقدمه من فرص، في موقع هش، إذ ينظر إليها غالباً كوجهة مؤقتة يمكن التخارج منها بسهولة عند تصاعد الضبابية.
من هنا، تبرز المفارقة الأساسية التي تواجه هذه الأسواق: فهي بحاجة إلى رؤوس الأموال لدعم النمو وتمويل التنمية، لكنها في الوقت نفسه معرضة لمخاطر الاعتماد على تدفقات غير مستقرة قد تنقلب في أي لحظة. مفارقة تفرض على صناع القرار إعادة النظر في نماذج التمويل المعتمدة، والعمل على تحقيق توازن دقيق بين جذب الاستثمارات والحفاظ على الاستقرار المالي.
عليه، لا يمكن النظر إلى الأموال الساخنة كظاهرة عابرة أو هامشية، بل كعامل بنيوي يعكس طبيعة النظام المالي العالمي المعاصر. فبينما قد توفر هذه التدفقات دعماً مؤقتاً للأسواق الناشئة، فإنها تحمل في طياتها مخاطر كامنة قد لا تظهر إلا عند لحظات التحول الكبرى.
هكذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في منع هذه الأموال، بل في إدارة آثارها، والحد من تقلباتها، وبناء منظومات اقتصادية أكثر قدرة على الصمود في وجه صدمات الخارج، في عالم لم يعد يعترف بالثبات، بل تحكمه ديناميات التدفق السريع والتغير المستمر. فهل يقع لبنان في الفخ؟



