أخبار خاصة

اقتصاد لبنان على حافة التعافي الوهمي… أرقام تتحسّن ظاهرياً وانهيار يتجذّر في العمق

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت

لا تكفي الأرقام وحدها لفهم المشهد الاقتصادي، في بلد انهكته الأزمات المتواصلة ، لكنها تكشف بوضوح عمق الاختلال البنيوي الذي يرزح تحته لبنان. فالمؤشرات الاقتصادية والمالية والنقدية الممتدة حتى مطلع عام 2026 ترسم صورة اقتصادٍ يعيش على وقع التعافي الهش، وسط تناقضات صارخة بين بعض مؤشرات التحسّن الظرفي والانهيار الهيكلي المستمر.

فعلى مستوى النمو، يظهر تباين لافت بين تقديرات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ تتأرجح نسب الناتج المحلي الحقيقي بين انكماشات حادة في السنوات السابقة ومحاولات نمو خجولة لا تتجاوز 1% في أفضل الأحوال، ما يعكس اقتصاداً غير قادر بعد على استعادة ديناميكيته. هذا التذبذب يترافق مع تراجع واضح في الناتج المحلي للفرد، في مؤشر إضافي على تآكل القدرة الشرائية وتدهور مستوى المعيشة.

أما على صعيد التدفقات الخارجية، فتُظهر الاستثمارات الأجنبية المباشرة تراجعاً ملحوظاً كنسبة من الناتج المحلي، ما يعكس استمرار فقدان الثقة الدولية بالبيئة الاستثمارية اللبنانية، في ظل غياب الإصلاحات البنيوية وعدم الاستقرار السياسي. ويُضاف إلى ذلك ضعف الصادرات الصناعية مقابل الاعتماد المزمن على الاستيراد، ما يفاقم العجز التجاري الذي بقي عند مستويات مرتفعة، متجاوزاً في بعض الفترات 17 مليار دولار.

وفي قطاع السياحة، ورغم تسجيل ارتفاع نسبي في أعداد الوافدين خلال بعض السنوات، إلا أن هذا التحسن بقي ظرفياً وغير مستدام، متأثراً بالتطورات الأمنية والإقليمية. وكذلك الحال في القطاع العقاري، حيث تُظهر الأرقام تقلبات حادة، مع تراجع كبير في عدد وقيمة معاملات البيع، ما يعكس انكماشاً في الطلب وثقة المستثمرين.

أما في البنية التحتية والخدمات، فتُظهر حركة مرفأي بيروت وطرابلس ومطار رفيق الحريري الدولي بعض مؤشرات التعافي الجزئي، لكنها لا تزال دون مستويات ما قبل الأزمة، ما يعكس استمرار الضغوط على القطاعات الإنتاجية والتجارية.

النقطة الأكثر خطورة تبقى في المالية العامة، حيث يستمر العجز والدين العام عند مستويات مرتفعة جداً، مع بلوغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي أرقاماً قياسية تفوق 170%، ما يضع لبنان في مصاف الدول الأكثر مديونية في العالم. ويُضاف إلى ذلك ارتفاع كلفة خدمة الدين، في ظل موارد دولة محدودة وإيرادات غير مستقرة.

نقدياً، تكشف الأرقام عن تضخم هائل في الكتلة النقدية، خصوصاً بالليرة اللبنانية، ما أدى إلى موجات تضخمية قياسية تجاوزت في بعض الفترات 200%، قبل أن تعود إلى مستويات أقل نسبياً لكنها لا تزال مرتفعة. كما تعكس الدولرة شبه الكاملة للودائع (نحو 98%) فقدان الثقة بالعملة الوطنية والنظام المصرفي، الذي شهد تقلصاً حاداً في التسليفات للقطاع الخاص، ما أدى إلى شلل في عجلة التمويل والاستثمار.

وفي القطاع المصرفي، ورغم بقاء عدد المصارف مستقراً نسبياً، إلا أن حجم الموجودات والودائع يعكس إعادة هيكلة قسرية غير معلنة، مع تراجع دور المصارف التقليدي في تمويل الاقتصاد، وتحولها إلى مؤسسات شبه مجمدة.

في المحصلة، تكشف هذه المؤشرات أن الاقتصاد اللبناني لم يخرج بعد من دائرة الأزمة، بل انتقل من مرحلة الانهيار السريع إلى مرحلة الركود المزمن. فالتعافي الظاهر في بعض القطاعات يبقى هشاً ومؤقتاً، في غياب إصلاحات حقيقية تعيد بناء الثقة الداخلية والخارجية.

لبنان اليوم لا يعاني فقط من أزمة أرقام، بل من أزمة نموذج اقتصادي كامل. فكل مؤشر إيجابي يظهر في البيانات يقابله خلل أعمق في البنية الاقتصادية. وبينما يراهن البعض على الوقت كعامل إنقاذ، تؤكد التجارب الدولية أن الاقتصادات المنهارة لا تتعافى تلقائياً، بل تحتاج إلى قرارات سياسية جريئة، وإصلاحات مؤلمة، واستعادة ثقة مفقودة منذ سنوات. دون ذلك، ستبقى هذه الأرقام مجرد تسجيل دقيق لمسار الانحدار، لا بداية فعلية لمسار التعافي.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *