شهدت أسواق النفط خلال آذار 2026 تقلبات حادة مع دخول الحرب في إيران أسبوعها الخامس، إذ سجلت الأسعار قفزات شهرية تجاوزت 55%، مدفوعة بتعطل شبه كامل في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، وتراجع الصادرات النفطية من المنطقة بأكثر من 60%.
صعود بنسب قياسية
ارتفع خام غرب تكساس على أساس شهري بنسبة 51.95%، في حين صعد خام برنت بنحو 55.24%.
ليسجل خام برنت ارتفاعًا شهريًا قياسيًا بهذه النسبة، وتصبح المرة الأولى منذ عام 2022 التي يغلق فيها خام غرب تكساس الأميركي فوق مستوى 100 دولار.
ولامس خام برنت مستوى 119.5 دولار للبرميل خلال ذروة التداولات في التاسع من آذار، فيما بلغ خام غرب تكساس الوسيط نحو 119 دولارًا للبرميل خلال الجلسات الأكثر اضطرابًا في اليوم ذاته.
ودفعت هذه الضغوط غير المسبوقة على البنية التحتية للطاقة الأسعار إلى مستويات قياسية، قبل أن تتراجع لاحقًا مع بروز مؤشرات تهدئة مؤقتة.
لكن الأسعار عادت للتراجع لاحقًا إلى مستويات قرب 89 دولارًا، إثر تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن تعليق الضربات العسكرية ضد منشآت الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام، لتعاود الارتفاع جزئيًا مع استمرار التقلبات في السوق.
وتمت تسوية العقود الآجلة لخام برنت اليوم عند 112.78 دولار للبرميل، كما تمت تسوية عقود الخام الأميركي الخفيف عند 102.88 دولار للبرميل.
اضطراب في شريان الطاقة.. والبدائل محدودة
تسببت حرب إيران في تعطّل شبه كامل لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، حيث تراجعت حركة الشحن بنسبة 95%، ما أدى إلى تعطل تدفق نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، بما يقارب 20 مليون برميل يوميًا.
وبرز الساحل الغربي للسعودية كمنفذ استراتيجي بديل، إذ أعادت المملكة توجيه صادراتها عبر خط أنابيب “شرق–غرب” الممتد لنحو 1200 كيلومتر، لترتفع شحنات ميناء ينبع إلى نحو 4.6 مليون برميل يوميًا خلال الأسبوع الماضي، مقتربة من طاقته القصوى البالغة 5 ملايين برميل يوميًا.
وتُظهر البيانات أن الصادرات بلغت نحو 4 ملايين برميل يوميًا في الأسبوع الذي بدأ في 16 آذار، مع توجه أكثر من 80% منها إلى الأسواق الآسيوية.
ينبع عند طاقته القصوى
يُعد ميناء ينبع حاليًا المنفذ الرئيسي لصادرات الخام السعودية خارج الخليج، في ظل التوقف شبه الكامل لحركة الشحن عبر مضيق هرمز، حيث تضخ أرامكو السعودية النفط عبر خط الأنابيب للحفاظ على تدفق الإمدادات.
ورغم استغلال السعودية والإمارات (عبر خط حبشان-الفجيرة بسعة 1.5 مليون برميل يوميًا) لهذه المسارات، فإن إجمالي القدرة المشتركة للبدائل، البالغة نحو 6.5 مليون برميل يوميًا، لا تعوض سوى ثلث التدفقات المعتادة عبر المضيق.
ويظل العراق من أكثر المنتجين تضررًا لاعتماده بشكل رئيسي على موانئ البصرة الجنوبية، فيما تفتقر الكويت وقطر والبحرين إلى خطوط تصدير بديلة، ما يجعل صادراتها، لا سيما الغاز الطبيعي المسال من قطر، أكثر عرضة للتعطل.
وتشير المؤشرات إلى أن هذه المسارات تظل حلولًا تكميلية، لا يمكنها تعويض العجز الهيكلي في الإمدادات العالمية، ما لم يُعاد فتح الممر الملاحي الحيوي في الخليج.
إعلان القوة القاهرة يتسع
أعلنت كبرى قوى الطاقة في المنطقة حالة “القوة القاهرة” تباعًا، وهو إجراء قانوني يستخدم لإعفاء الشركات من الالتزامات التعاقدية بسبب ظروف قهرية أو حرب خارجة عن إرادتها.
وبدأت قطر بإعلان القوة القاهرة، إذ أوقفت عمليات الغاز المسال، ما أثر في جزء من التجارة العالمية لهذا القطاع.
وتبعتها الكويت التي خفضت إنتاجها، وأعلنت القوة القاهرة نتيجة التهديدات المباشرة لسلامة السفن والغياب شبه التام للناقلات في الخليج.
كما اضطر العراق إلى اتخاذ الإجراء ذاته على كافة الحقول التي تديرها شركات أجنبية بعد وصول سعات التخزين لديه إلى حدودها القصوى وتوقف صادرات الجنوب.
في حين لحقت بهما البحرين بإعلان القوة القاهرة عقب استهداف مصفاة “سترة”.
البنية التحتية تحت الضغط
لم تقتصر تداعيات الحرب على اضطراب الإمدادات، بل امتدت إلى البنية التحتية لقطاع الطاقة، مع تقارير عن استهداف منشآت نفطية في عدد من دول المنطقة.
في الإمارات، أغلقت أدنوك جزءًا من عمليات مصفاة الرويس بعد حريق اندلع داخل المجمع جراء هجوم بطائرة مسيرة، ما أدى إلى توقف بعض الوحدات التشغيلية مؤقتًا.
وفي السعودية، تعرضت مصفاة رأس تنورة، إحدى أكبر المصافي في المملكة، لهجوم أدى إلى اندلاع حريق محدود، قبل أن تتم السيطرة عليه واستئناف العمليات.
كما أعلنت مؤسسة البترول الكويتية السيطرة على حرائق اندلعت في وحدات تشغيلية داخل مصفاتَي ميناء الأحمدي وميناء عبد الله، عقب هجمات بطائرات مسيرة استهدفت المنشأتين، دون تسجيل إصابات.
وتشير بيانات قطاع الطاقة إلى أن عدة دول في المنطقة، من بينها السعودية والإمارات والعراق والبحرين والكويت وقطر، خفضت أو أوقفت جزءًا من طاقتها التكريرية، مع توقف نحو 1.9 مليون برميل يوميًا من قدرة التكرير نتيجة الهجمات وتعطل الإمدادات.
ورغم أن معظم هذه الهجمات لم تؤدِ إلى تعطّل طويل الأمد في الإنتاج، فإنها زادت من هشاشة سلاسل الإمداد، خصوصًا مع تزامنها مع تعطل الشحن عبر مضيق هرمز.
كما أسهمت هذه التطورات في رفع علاوة المخاطر الجيوسياسية، ودعمت موجة التقلبات الحادة في أسعار النفط خلال آذار.
انخفاض الإنتاج وتدفقات النفط
أفادت وكالة الطاقة الدولية في تقرير آذار 2026 أن استمرار القيود على حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أدى إلى خفض إنتاج النفط في دول الخليج والعراق بنحو 10 ملايين برميل يوميًا، مع تراجع تدفقات الخام والمنتجات من نحو 20 مليون برميل يوميًا قبل الحرب إلى مستويات محدودة.
ويشمل هذا التراجع نحو 8 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام، إضافة إلى مليوني برميل يوميًا من المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي.
وأظهرت بيانات شركة “كيبلر”، التي نقلتها رويترز، أن صادرات 8 دول خليجية انخفضت بأكثر من 60%، من 25.1 مليون برميل يوميًا في شباط إلى نحو 9.71 مليون برميل يوميًا بحلول منتصف آذار.
وتشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى أن التراجع شمل عددًا من كبار المنتجين في المنطقة، من بينهم السعودية والإمارات والكويت وقطر والعراق.
وفي العراق، انخفض إنتاج الحقول الجنوبية إلى نحو 900 ألف برميل يوميًا مقارنة بنحو 3.3 مليون برميل يوميًا قبل الأزمة، مع توقف الصادرات عبر الموانئ الجنوبية.
وخفّضت بعض الدول إنتاجها نتيجة امتلاء السعات التخزينية وتعطل الشحن، مع تسجيل انخفاضات متفاوتة بين المنتجين خلال آذار.
وامتدت التداعيات إلى قطاع التكرير، إذ توقفت وحدات في عدد من الدول نتيجة الهجمات وتعطل تدفقات الخام، وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أكثر من 3 ملايين برميل يوميًا من طاقة التكرير في المنطقة تأثرت.
كما نقلت رويترز عن شركة IIR أن نحو 1.9 مليون برميل يوميًا من القدرة التكريرية تعطلت في دول الخليج، بما في ذلك السعودية والإمارات والكويت والعراق والبحرين وقطر.
وتشير التطورات إلى أن استقرار سوق النفط يظل مرهونًا بإعادة فتح مضيق هرمز، في ظل محدودية البدائل واستمرار الضغوط على الإمدادات.


