قال رئيس التشغيل في شركة سبائك محمد صلاح، إن من لا يشتري الذهب في مختلف الأوقات قد يندم، قبل أن يلفت إلى أن السوق تمر حاليًا بمرحلة شديدة التقلب، وأن الأسعار تتحرك بشكل عنيف نتيجة مجموعة من التطورات الاقتصادية والجيوسياسية المتداخلة.
وأضاف في مقابلة مع “العربية Business”، أن الأسواق واجهت مؤخرًا ما وصفه بـ”تسعير قوي لقنبلة تضخمية قد تنفجر في العالم كله”، موضحاً أن هذه المخاطر لا ترتبط فقط بالحرب نفسها، بل بما تخلقه من آثار ممتدة على الاقتصاد العالمي.
وأشار إلى أن الحرب الجارية تدار في منطقة يشعر بنيرانها العالم كله، موضحًا أن تأثيرها لا يظل محصورًا في الإطار الجغرافي أو العسكري، بل يمتد إلى أسواق الطاقة والسلع والتوقعات النقدية.
وقال إن أسعار الطاقة باتت في صلب هذه المعادلة، لافتًا إلى أن السوق قد يتأثر أصلًا بخفض أو رفع 100 ألف برميل فقط، في حين أن ما يجري الآن يتعلق بملايين البراميل، وهو ما يجعل التأثير على الأسعار أكبر بكثير وأكثر اتساعًا.
احتمالات تغير مسار الفيدرالي
وأوضح صلاح أن هذا المشهد دفع الأسواق إلى تسعير موجة تضخم قوية جدًا، ومع بدء هذا التسعير، بدأت الأسواق تتساءل بشكل مباشر عن رد فعل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
وأضاف أن الأسواق بدأت تتعامل مع احتمال أن النهج التيسيري قد ينتهي، وأن الأمر لم يعد مقتصرًا على تراجع احتمالات خفض الفائدة فقط، بل إن هناك من بدأ يتحدث عن احتمالية رفع أسعار الفائدة، وهو ما انعكس سريعًا على تحركات الذهب.
وأشار إلى أن الذهب استجاب لهذا السيناريو، لكنه لم يكن العامل الوحيد، إذ كانت هناك أيضًا معركة سيولة كبيرة في السوق، على حد وصفه.
وقال إن الأسواق كانت تتحرك في ظل “حرب سيولة” شملت تغطية مراكز مكشوفة، إلى جانب توفير سيولة دولارية لتغطية الفروق الناتجة عن تحركات أسعار الطاقة، وهو ما أضاف مزيدًا من الضغط والتذبذب على الأسواق.
الذهب أكثر حساسية للصعود
ورغم هذه العوامل الضاغطة، أكد صلاح أنه يرى أن الذهب أكثر حساسية للارتفاع، معتبرًا أن هذه الخاصية ظهرت بوضوح في تحركاته الأخيرة.
وأوضح أنه بمجرد أن بدأت تظهر بادرة من دونالد ترامب بشأن وجود مفاوضات أو احتمال انطلاق مفاوضات، تأثر الذهب بحساسية شديدة جدًا، وكان من بين أكثر الأدوات والأصول التي تحركت وصعدت بشكل مباشر.
وأضاف أن هذه الاستجابة القوية من الذهب لم تقابلها بالضرورة استجابة مماثلة في سوق الأسهم، مشيرًا إلى أن بعض الأصول الأخرى لم تتحرك بالسرعة نفسها أو بالقوة نفسها التي تحرك بها الذهب.
توترات جيوسياسية بصبغة اقتصادية
وفي تفسيره لهذا السلوك الذي قد يبدو مخالفًا للتوقعات التقليدية، أوضح صلاح أن ما يجري لا يمكن تصنيفه باعتباره مجرد توترات جيوسياسية اعتيادية.
وقال إنه يصف الوضع الحالي بأنه “توترات جيوسياسية بصبغة اقتصادية”، لأن تأثيرها لا يقتصر على التصعيد السياسي أو الأمني فقط، بل يمتد ليضرب الاقتصاد العالمي بأكمله.
وأضاف أن هذه التوترات تفرض حالة تضخم قوية جدًا، قد تصيب العالم كله بشكل واسع، مؤكدًا أن الولايات المتحدة الأميركية ومعظم دول العالم تأثرت بالفعل بهذه التداعيات.
مبيعات البنوك المركزية
وفي ما يتعلق بمخاوف المتداولين في سوق الذهب من مبيعات البنوك المركزية، بعد تقارير عن قيام البنك المركزي التركي ببيع ما يقارب 8 مليارات دولار، إلى جانب مبيعات من البنك المركزي البولندي، فضلاً عن إبطاء الصين وتيرة مشترياتها، قال صلاح إن هذا العامل ليس مؤثرًا جوهريًا في أساسيات السوق.
وأوضح أن تأثير هذه التطورات نفسي أكثر منه فعلي، مشيرًا إلى أن الأرقام المتداولة، سواء ما يتعلق ببيع 8 مليارات دولار أو ملياري دولار من البنك البولندي، تبقى أرقامًا محدودة نسبيًا إذا ما قورنت بحجم مشتريات البنوك المركزية بشكل عام.
وأضاف أن هذه المبيعات ليست عاملًا مؤثرًا بشكل كبير على معادلة العرض والطلب الأساسية في سوق الذهب، لكنه لفت في المقابل إلى أن هذه الأخبار منحت الذهب زخمًا إضافيًا.
وقال إن مجرد خروج هذه الأخبار ساهم في ارتفاع الذهب، لأن ذلك تسبب في حالة من الدعاية الإيجابية للذهب، وأعاد تأكيد صورته باعتباره الممول الرئيسي أو الملاذ الأساسي في فترات الأزمات.
فرصة للشراء
ورأى صلاح أن المستثمر الذي لم يشترِ الذهب في المستويات السابقة لا يزال بإمكانه اللحاق بالسوق، خاصة إذا ما استمرت الحرب أو امتدت لفترة أطول.
وأوضح أن هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام تراجع جديد في الأسعار نحو مستويات 4100 أو 4200 دولار مرة أخرى، معتبرًا أن هذه المستويات قد تشكل فرصة جيدة للشراء.
كما أكد أن المستويات الحالية أيضًا لا تزال مناسبة للشراء بالنسبة للمستثمرين الذين يخططون للاحتفاظ بالذهب لفترات أطول نسبيًا، أي في إطار استثمار طويل الأجل.
توقعات بعودة الذهب إلى القمم القياسية
وفي ما يتعلق بتوقعاته المستقبلية، قال رئيس التشغيل في شركة سبائك إنه يرى أن الذهب مرشح للعودة إلى مستوياته القياسية التي بلغها سابقًا، متوقعًا أن يصل بنهاية العام إلى 5500 دولار أو 5580 دولارًا.
وأكد صلاح أن الذهب — من وجهة نظره — لن يقل عن هذه المستويات بنهاية العام، بل قد يتجاوزها إلى مستويات أعلى.



