ناجي الخوري
يعيش لبنان، الذي لطالما عُرف بتعقيد تركيبته الاجتماعية والسياسية، هذه الايام أزمة مالية واقتصادية متشابكة مع أزمات سياسية وطائفية لم يشهد لها مثيلاً منذ عقود. فمنذ انهيار النظام المالي في عام 2019، فقد المواطن اللبناني الثقة بالمصارف وبالدولة، مع تحول ودائعه رهينة القيود غير “الشرعية” على السحوبات، وتدهور مستمر لقيمة الليرة، بينما تتصاعد الضغوط على الاقتصاد بشكل متسارع.
في هذا السياق، يطفو على السطح نقاش بالغ الحساسية يختلط فيه البُعد الاقتصادي بالسياسي والطائفي: إمكانية استخدام أموال المودعين لتمويل ملف النزوح الناتج عن الحرب الحالية، وفقا لما كشفه احد الوزراء. نقاش لا يتعلق فقط بالسيولة المالية أو قدرة الدولة على تلبية احتياجات النزوح، بل يتعدى ذلك ليصبح مؤشراً على أزمة أوسع في مفهوم الدولة، وفي العلاقة بين المال العام والخاص، وبين السلطة وثقة المجتمع.
بدا واضحا، منذ بداية الانهيار المالي، أن ودائع اللبنانيين لم تعد مجرد أموال محفوظة، بل أداة ضمن منظومة إدارة الخسائر. فبدلاً من الاعتراف بحجم الفجوة المالية وتوزيعها بطريقة شفافة وعادلة بين الدولة والمصارف والمودعين، اذ تم عملياً تقييد السحوبات، تدهور سعر الصرف، وفرض سياسات نقدية غير تقليدية، أدت إلى تجميد جزء كبير من المدخرات الشخصية.
واقع خلق سابقة خطيرة، إذ أصبح المودع يعيش تجربة مستمرة من فقدان الأمان المالي، شاعرا بأن أمواله يمكن أن تُستعمل في أي لحظة لتغطية عجز الدولة أو تمويل سياسات سياسية معينة، دون أي إطار قانوني واضح أو مساءلة فعلية.
في هذا المناخ المتوتر، يبرز ملف النزوح الاخير كواحد من أكثر الملفات السياسية والطائفية حساسية في لبنان. فهو ليس مجرد قضية إنسانية مرتبطة بالنازحين من مناطق محددة، بل يتداخل مع التوازنات الطائفية الدقيقة، ويشكل ضغطاً إضافياً على الاقتصاد الوطني والهياكل الاجتماعية والخدمات العامة.
من هنا، أي حديث عن تمويل هذا الملف عبر أموال المودعين يحمل أبعاداً سياسية واضحة، إذ يمكن اعتباره وسيلة لتأمين الولاءات أو التخفيف من التوترات الطائفية في مناطق محددة، بينما يتحمل المواطن العادي الذي لا ينتمي سياسياً أو طائفياً الكلفة المباشرة، ما يخلق ما يمكن وصفه بخلط خطير بين السياسة والاقتصاد، حيث تُستثمر الموارد المالية الخاصة في تحقيق أهداف سياسية محددة، بدل أن تكون أداة لإدارة أزمة وطنية شاملة بطريقة عادلة وشفافة.
الأخطر من ذلك أن هذه الخطوة، ستعكس بشكل مباشر استمرار سياسة تحميل الفئات الأضعف، وخصوصاً المودعين، أعباء الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. إذ سيكون المودع، الذي فقد جزءاً كبيراً من مدخراته بسبب التضخم وانهيار العملة، مجدداً في موقع الخسارة، بينما تستخدم أمواله لدعم ملف ناتج عن فشل السلطة والعهد. مقاربة لا تؤدي فقط إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، بل تُعمّق الانقسام الاجتماعي والطائفي، وتزيد من الهشاشة السياسية، خصوصاً في بلد يعتمد بشكل كبير على التوازنات الطائفية في كل قرار سياسي أو إداري.
إضافة إلى ذلك، فإن استخدام أموال المودعين بهذا الشكل يطرح أسئلة قانونية وأخلاقية بالغة الأهمية. فهذه الأموال ملكية خاصة، وأي استخدام لها خارج إطار التعاقدات المصرفية أو القوانين المعمول بها يُعد تعدياً صارخاً على الحقوق الفردية. ففي ظل غياب آليات الرقابة والمساءلة، تصبح الاستنسابية في استخدام هذه الأموال هي القاعدة، ما يهدد الأمن المالي والاجتماعي ويضع الاقتصاد اللبناني برمته في حالة من عدم الاستقرار.
فعلى المستوى الأخلاقي، هذا النوع من التمويل يحوّل أزمة إنسانية حقيقية إلى أداة لإعادة إنتاج الفوضى الاقتصادية والسياسية، بدلاً من البحث عن حلول عادلة ومستدامة تعكس التزام الدولة بحماية حقوق مواطنيها.
اما من الناحية الاقتصادية، فإن المخاطر المرتبطة باستخدام أموال المودعين لتمويل ملف النزوح لا تقتصر على الانخفاض المباشر للسيولة في السوق، بل تشمل آثاراً أوسع على ثقة المجتمع بالمصارف، والاستقرار النقدي، ومستوى التضخم، إضافة إلى تعميق الانكماش الاقتصادي. فالمودعون، الذين سيعتبرون ودائعهم غير آمنة، سيقللون من استهلاكهم واستثماراتهم، ما يؤدي إلى ركود اقتصادي أشد تعقيداً. كذلك، أي تمويل غير تقليدي قد يؤدي إلى ضغوط على سعر الصرف، وزيادة تضخم الأسعار، وهي ظواهر معروفة في التجربة اللبنانية منذ 2019.
أمام هذا المشهد، يصبح النقاش حول هذا الموضوع أكثر من مجرد مسألة مالية؛ إنه اختبار جوهري لمصداقية الدولة وقدرتها على حماية حقوق المودعين وضمان إدارة الموارد العامة بطريقة عادلة. فنهج السلطة هذا، يضع لبنان امام أزمة مركبة، تتطلب شفافية كاملة، آليات رقابية فعالة، وفصل واضح بين الإدارة الاقتصادية والسياسات الطائفية أو السياسية.
إنه اختبار حقيقي لمفهوم الدولة كحامية للحقوق، ولمصداقية النظام المالي اللبناني…. فشلت فيه ….







