ناجي الخوري – سيدرز ريبورت
في عالم المال والاستثمار، تظهر بين الحين والآخر نماذج مالية تعد بعوائد مرتفعة وسريعة، مستندة إلى خطاب جذاب يوحي بوجود فرص استثمارية استثنائية. غير أنّ التاريخ الاقتصادي يعلّمنا أن كثيراً من هذه الوعود لا يستند إلى نشاط اقتصادي حقيقي بقدر ما يقوم على آليات مالية ملتوية تستغل الثقة والطمع معاً.
ومن بين أشهر هذه النماذج ما يُعرف “بنظام بونزي”، وهو أسلوب احتيالي يقوم على مبدأ بسيط لكنه شديد الخطورة: دفع أرباح للمستثمرين القدامى من أموال المستثمرين الجدد، من دون وجود استثمار فعلي يولّد تلك الأرباح. وقد ارتبط اسم هذا النظام بالمحتال الإيطالي–الأميركي “Charles Ponzi” الذي نفّذ في عشرينيات القرن الماضي مخططاً مالياً واسعاً في الولايات المتحدة، حيث استطاع جذب آلاف المستثمرين عبر وعود بعوائد خيالية قبل أن ينهار النظام عندما لم يعد قادراً على استقطاب مزيد من الأموال.
تكمن خطورة نظام بونزي في قدرته على خلق وهم النجاح والاستقرار في مراحله الأولى. فالمستثمرون الأوائل يحصلون بالفعل على أرباح، ما يعزز الثقة بالمشروع ويجذب مزيداً من المشاركين. ومع مرور الوقت، يتحول هؤلاء المستثمرون أنفسهم إلى أدوات ترويج غير مباشرة للنظام، إذ ينقلون تجربتهم “الناجحة” إلى محيطهم الاجتماعي والمهني. لكن هذه الأرباح ليست سوى تحويل مالي من جيوب الداخلين الجدد إلى الداخلين السابقين. وبقدر ما يتوسع النظام، بقدر ما يزداد اعتماده على تدفق متواصل ومتزايد من الأموال الجديدة، ما يجعله هشاً بطبيعته. فبمجرد تباطؤ تدفق الأموال أو اهتزاز الثقة، يبدأ النظام بالانهيار، وغالباً ما يكون هذا الانهيار سريعاً ومؤلماً، تاركاً خلفه خسائر ضخمة للمستثمرين الذين دخلوا في المراحل المتأخرة.
وقد شهد التاريخ المالي الحديث عدداً من الأمثلة الصارخة على هذا النوع من المخططات، من أبرزها فضيحة المستثمر الأميركي “Bernard Madoff” التي انفجرت عام 2008 وكشفت واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المالي في العالم، حيث استمر المخطط لسنوات طويلة قبل أن ينهار ويخلّف خسائر تقدّر بعشرات مليارات الدولارات.
حوادث لا تقتصر على الأفراد أو الشركات الخاصة، بل تفتح الباب أيضاً أمام نقاش أوسع في الاقتصاد السياسي حول إمكانية ظهور نماذج مالية شبيهة بمنطق بونزي على مستوى الدول، عندما تعتمد الحكومات على استدانة جديدة لسداد ديون قديمة من دون خلق مصادر إنتاج حقيقية.
هذا النقاش يكتسب أهمية خاصة في الدول التي تعاني أزمات مالية عميقة، حيث تبحث الحكومات عن حلول سريعة لتأمين السيولة والحفاظ على الاستقرار النقدي. وفي هذا السياق، يبرز المثال اللبناني كواحد من أكثر الحالات إثارة للجدل في النقاشات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة. فقبل انفجار الأزمة المالية عام 2019، كان النموذج المالي في لبنان يعتمد إلى حد كبير على استقطاب الودائع من الخارج، ولا سيما من المغتربين اللبنانيين، مقابل تقديم فوائد مرتفعة نسبياً. وقد سمح هذا النموذج للقطاع المصرفي بتمويل الدين العام للدولة والحفاظ على استقرار سعر صرف العملة لفترة طويلة، ما خلق انطباعاً عاماً بوجود استقرار مالي نسبي رغم تراكم الاختلالات البنيوية في الاقتصاد.
لكن مع مرور الوقت، أصبح هذا النموذج يعتمد بشكل متزايد على تدفق الودائع الجديدة للحفاظ على توازن النظام المالي. وعندما بدأت هذه التدفقات بالتراجع نتيجة عوامل سياسية واقتصادية إقليمية وداخلية، انكشف الخلل العميق في البنية المالية، وتحوّل الاستقرار الظاهري إلى أزمة شاملة طاولت المصارف والعملة والاقتصاد ككل. ومن هنا بدأ بعض الاقتصاديين يطرحون سؤالاً حساساً: هل كان النموذج المالي اللبناني يحمل في طياته بعض سمات نظام بونزي، بمعنى الاعتماد على تدفقات مالية جديدة لتغطية التزامات سابقة؟
غير أنّ طرح هذا السؤال لا يعني بالضرورة أن النظام كان مخططاً احتيالياً بالمعنى التقليدي، بل يعكس إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الاقتصاد الذي يعتمد بشكل مفرط على القطاع المالي وتدفقات الرساميل بدلاً من الإنتاج الحقيقي.
هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية في النقاش اللبناني اليوم: هل يمكن لنموذج يشبه منطق بونزي، أي الاعتماد على تدفقات مالية جديدة لتمويل التزامات سابقة، أن يشكل حلاً للأزمة المالية التي يعيشها لبنان؟
من منظور اقتصادي بحت، الجواب واضح إلى حد كبير. فمثل هذه النماذج لا تعالج جذور الأزمة، بل تؤجل انفجارها. أي نظام مالي يعتمد على تدوير الديون بدلاً من خلق الثروة سيصل عاجلاً أم آجلاً إلى نقطة الانهيار عندما تتراجع الثقة أو تتوقف التدفقات المالية. لذلك، فإن معالجة الأزمة اللبنانية لا يمكن أن تقوم على إعادة إنتاج النموذج نفسه الذي أدى إلى الانهيار، بل تتطلب إعادة بناء الاقتصاد على أسس مختلفة تقوم على الإصلاح المالي، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وتحفيز القطاعات الإنتاجية القادرة على خلق قيمة مضافة حقيقية.
بهذا المعنى، فإن النقاش حول نظام بونزي في الحالة اللبنانية ليس مجرد مسألة نظرية، بل مدخل لفهم أعمق لطبيعة الأزمة الاقتصادية التي يواجهها البلد، وللخيارات الصعبة التي لا بد من اتخاذها للخروج منها. فبين وهم الاستقرار المالي القائم على تدفقات مؤقتة من الأموال، وحقيقة الاقتصاد القائم على الإنتاج والاستثمار الحقيقي، يكمن الفرق بين تأجيل الأزمة وحلّها فعلياً.







