أخبار خاصة

هل قادر على الصمود مرة اخرى؟ لبنان بين صدمة الطاقة وهشاشة الاقتصاد

ناجي الخوري

تشكل الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى واحدة من أخطر الصدمات الجيو – اقتصادية التي شهدها الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب بعدها العسكري المباشر، بل بسبب تداعياتها العميقة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية والاستقرار المالي في المنطقة.

في قلب هذه التحولات يقف لبنان كأحد أكثر الاقتصادات هشاشة في الشرق الأوسط، ما يجعله شديد التأثر بأي اهتزاز إقليمي كبير. فالاقتصاد اللبناني، الذي لم يتعافَ بعد من الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، يجد نفسه اليوم أمام موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالحرب، ما يطرح أسئلة جوهرية حول قدرته على الصمود أمام صدمة خارجية بهذا الحجم.

من الناحية البنيوية، يدخل لبنان هذه المرحلة في وضع اقتصادي ضعيف للغاية. فالناتج المحلي الإجمالي لا يتجاوز نحو 28 مليار دولار وفق تقديرات المؤسسات الدولية، بعدما فقد الاقتصاد أكثر من نصف حجمه خلال سنوات الأزمة المالية. كما أن الاقتصاد يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتأمين حاجاته الأساسية، إذ بلغت قيمة الواردات نحو 18.7 مليار دولار سنوياً مقابل صادرات لا تتجاوز 4.3 مليارات دولار، ما يعكس اختلالاً كبيراً في الميزان التجاري. ويزداد هذا الاعتماد على الخارج بسبب محدودية الإنتاج المحلي وتراجع القطاعات الصناعية والزراعية، ما يجعل لبنان شديد الحساسية لأي ارتفاع في الأسعار العالمية أو اضطراب في سلاسل الإمداد.

كما تزامن اندلاع الحرب مع اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، وهو العامل الأكثر تأثيراً على الاقتصادات المستوردة للطاقة مثل لبنان. فالتصعيد العسكري أدى إلى ارتفاع سريع في أسعار النفط العالمية، حيث تجاوز سعر البرميل 90 دولاراً بعد أيام قليلة من بدء الضربات العسكرية. كما سجلت الأسواق ارتفاعات وصلت إلى نحو 30% خلال أسبوع واحد نتيجة المخاوف من تعطل الإمدادات النفطية.

تطورات، تعني بالنسبة للبنان، ارتفاعاً مباشراً في فاتورة استيراد الطاقة. فالدولة تستورد تقريباً كامل احتياجاتها من الوقود والغاز، ما يجعل الاقتصاد عرضة للتضخم المستورد. ومع ارتفاع أسعار النفط، ترتفع تلقائياً كلفة الكهرباء والنقل والإنتاج الصناعي والخدمات، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع الأساسية في السوق المحلية.

وفي اقتصاد يعاني أصلاً من مستويات تضخم مرتفعة وتدهور القدرة الشرائية، فإن أي صدمة إضافية في أسعار الطاقة يمكن أن تدفع الأسعار إلى موجة تضخم جديدة.

إلى جانب الطاقة، تؤثر الحرب أيضاً على حركة التجارة العالمية وسلاسل التوريد. فقد أدى التصعيد العسكري في الخليج إلى اضطراب في حركة السفن والتأمين البحري وارتفاع تكاليف الشحن الدولي. وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن عشرات السفن النفطية وسفن الشحن علّقت حركتها في المنطقة نتيجة المخاطر الأمنية، ما أدى إلى زيادة تكاليف النقل البحري عالمياً.

وبما أن لبنان يعتمد على الاستيراد لمعظم السلع الغذائية والاستهلاكية، فإن أي ارتفاع في كلفة الشحن سينعكس مباشرة على الأسعار المحلية، ما يفاقم الضغوط المعيشية على السكان.

في الوقت نفسه، تتأثر القطاعات الخدمية اللبنانية، وعلى رأسها السياحة، بالحرب الإقليمية. فقد شهد الاقتصاد اللبناني في عام 2025 بوادر تعافٍ نسبي مدفوع بانتعاش السياحة والتحويلات المالية من المغتربين، حيث توقع البنك الدولي نمواً بنحو 3.5% بعد سنوات من الانكماش. إلا أن استمرار التوترات الإقليمية يهدد هذا التعافي الهش، لأن السياحة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستقرار الأمني والإقليمي. ومع ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، تميل شركات الطيران والسياح إلى تجنب الوجهات القريبة من مناطق النزاع، ما قد يؤدي إلى تراجع الإيرادات السياحية التي تشكل أحد أهم مصادر العملة الصعبة للبنان.

عامل آخر لا يقل أهمية هو التحويلات المالية من المغتربين، والتي تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد اللبناني. فقد بلغت هذه التحويلات نحو 5.8 مليارات دولار في عام 2024، وتشكل نسبة مهمة من الناتج المحلي. لكن استمرار الحرب وتوسعها إقليمياً قد يؤثر على اقتصادات الدول الخليجية التي يعمل فيها عدد كبير من اللبنانيين، ما قد ينعكس على حجم هذه التحويلات أو على استقرارها في المستقبل.

من منظور الاقتصاد السياسي، لا يمكن فصل التداعيات الاقتصادية للحرب عن طبيعة موقع لبنان في التوازنات الإقليمية. فلبنان ليس طرفاً مباشراً في الصراع العالمي على الطاقة والنفوذ، لكنه يقع في قلب المنطقة الأكثر تأثراً به. ولذلك فإن اقتصاده يتعرض لما يسمى “الارتدادات الجيو – اقتصادية للصراعات”، حيث تنتقل آثار الحروب عبر الأسواق المالية والطاقة والتجارة حتى إلى الدول غير المشاركة في النزاع. وفي حالة لبنان، تتضاعف هذه التأثيرات بسبب ضعف مؤسسات الدولة وغياب الإصلاحات الاقتصادية العميقة.

عليه، يمكن القول إن الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران تشكل اختباراً جديداً لقدرة الاقتصاد اللبناني على الصمود. فبين ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب التجارة، وتراجع السياحة والاستثمارات، يجد الاقتصاد اللبناني نفسه مرة أخرى أمام موجة من الضغوط الخارجية التي قد تعرقل مسار التعافي الهش.

لذلك فإن فهم هذه التداعيات لا يقتصر على قراءة الأرقام الاقتصادية فقط، بل يتطلب أيضاً تحليل موقع لبنان في الخريطة الجيو – اقتصادية المتغيرة للشرق الأوسط، حيث تتقاطع الصراعات العسكرية مع المصالح الاقتصادية الكبرى.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *