عصام شلهوب
في بلدٍ تتآكل فيه الرواتب أسرع من قدرة الناس على عدّ ما تبقّى منها، اختارت الحكومة أن ترفع سعر صفيحة البنزين 300 ألف ليرة، أي ما يعادل نحو 4 دولارات، تحت عنوان تمويل زيادة الأجور للعسكريين المتقاعدين. عنوان يبدو إنسانيًا في ظاهره، لكنه اقتصاديًا واجتماعيًا أشبه بفرض ضريبة تضامنية قسرية على الفقراء أنفسهم.
رئيس الحكومة نواف سلام ومعه وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط دافعوا عن القرار بوصفه ضرورة مالية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ضرورة لمن؟ وعلى حساب من؟
البنزين في لبنان ليس سلعة كمالية. هو العمود الفقري لدورة الأسعار بأكملها. أي زيادة عليه تنتقل تلقائيًا إلى النقل، ثم إلى كلفة الاستيراد، ثم إلى التخزين، فالتوزيع، وصولًا إلى سعر ربطة الخبز وكيلو اللحمة وربطة البقدونس. وهذا ليس تحليلًا نظريًا، بل واقعٌ بدأ يتجسد قبل إقرار الضريبة نفسها، حين سبقت الأسواق القرار برفع الأسعار، وكأن الجميع كان يستعد للموجة قبل أن تضرب رسميًا.
المفارقة الصارخة أن الحكومة تقول إنها ترفع البنزين لتمويل زيادة للعسكريين المتقاعدين، فيما هؤلاء أنفسهم سيدفعون ثمن الزيادة من قدرتهم الشرائية. فماذا تفيد زيادة راتب إن كانت تُلتهم فورًا في سوقٍ منفلت؟
حين يرتفع سعر كيلو لحم العجل من 12 إلى 15 دولارًا خلال أسابيع، ويقفز طن اللحوم 1500 دولار في شهر واحد، وعندما يتراجع ذبح العجول إلى النصف بسبب انهيار الطلب، فالمشكلة لم تعد مجرد “تعديل ضريبي”، بل اختلال عميق في مقاربة إدارة الأزمة.
الأسواق تقول كلمتها بوضوح: المبيعات تراجعت، الشراء بالدين ارتفع، والكميات تقلصت إلى نصف ما كانت عليه. المواطن لا يقاطع… بل يعجز. والفارق كبير.
ثم هناك سؤال لا تطرحه الحكومة بوضوح: لماذا تُستسهل الضرائب غير المباشرة؟ لماذا يبقى البنزين — السلعة التي تطال الجميع بلا استثناء — الخيار الأسهل؟ أليست هناك مصادر أخرى للإيرادات؟ ماذا عن ضبط التهرب الضريبي؟ ماذا عن إصلاح الجمارك؟ ماذا عن إقفال مزاريب الهدر؟
الضرائب غير المباشرة بطبيعتها تصيب الفقير والغني بالسعر نفسه، لكنها تؤلم الأول أكثر. وحين تُفرض في ظل تضخم مرتفع ودخل منهار، فإنها تتحول إلى أداة انكماش اقتصادي لا إلى وسيلة إصلاح مالي.
اللافت أيضًا أن بعض الشركات رفعت أسعارها قبل القرار بأسابيع. هل كان ذلك استباقًا طبيعيًا؟ أم غيابًا للرقابة؟ أم تساهلًا مزمنًا مع كبار الموردين؟ هنا تحديدًا يُختبر دور وزارة الاقتصاد: هل تكتفي بتبرير موجة الغلاء باعتبارها “انعكاسًا طبيعيًا للسوق”، أم تمارس دورًا فعليًا في ضبط هوامش الربح ومنع الاستغلال؟
المعادلة اليوم واضحة: الدولة تحصّل فورًا، والتاجر يرفع احترازًا، والمواطن يدفع مرتين — مرة عند المضخة، ومرة عند صندوق السوبرماركت.
ليست المشكلة في تمويل زيادة للعسكريين المتقاعدين؛ بل في آلية التمويل. فحين يُموَّل حق اجتماعي عبر ضريبة تضخمية، يتحول الإنجاز إلى عبء، وتتحول العدالة إلى حلقة مفرغة.
في شهر يُفترض أن تتعزز فيه قيم التضامن، يشعر اللبناني أن التضامن يُفرض عليه قسرًا، فيما تبقى الإصلاحات البنيوية مؤجلة، ومحاسبة مكامن الهدر غائبة، والخطة الاقتصادية الشاملة مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
القرار قد يكون قانونيًا. لكنه سياسيًا واجتماعيًا مقامرة قاسية في توقيت أكثر قسوة.
والسؤال الذي سيبقى معلقًا فوق رؤوس الجميع:
هل يمكن إنقاذ مالية الدولة عبر إنهاك ما تبقى من قدرة الناس على الاحتمال؟




