أخبار اقتصادية

قبل الدولار الموحد.. كيف غرقت أميركا في فوضى نقدية بـ10 آلاف عملة؟

في أربعينيات القرن التاسع عشر، سجل أحد المسافرين الأميركيين تجربة لا تصدق: بدأ رحلته بورقة نقدية بقيمة 20 دولاراً من فرجينيا، ليتبادلها لاحقاً ب100 دولار من تينيسي، ثم يجبر بعد عودته إلى كنتاكي على استبدالها ب88 دولاراً فقط من عملة الولاية. وفي نهاية اليوم، رفض أصحاب إحدى الحانات قبول أي ورقة بين يديه باستثناء عملات “شركة سكة حديد بالتيمور وأوهايو”.

هذه الفوضى لم تكن حادثة فردية، بل صورة مصغرة لعصر كامل امتلكت فيه الولايات المتحدة ما يصل إلى 10 آلاف نوع مختلف من “الدولار” قبل أن تتوحد البلاد على العملة التي نعرفها اليوم.

مع إعلان “الدولار الأميركي” وحدة نقدية رسمية عام 1792، ظن الكونغرس أنه يضع البلاد على طريق الاستقرار المالي. لكن الواقع كان بعيداً عن ذلك، فبحلول خمسينيات القرن التاسع عشر، كانت الأسواق الأميركية غارقة في آلاف الأوراق المالية التي تصدرها بنوك مختلفة، ولكل منها قيمة تختلف باختلاف المدينة والولاية والمسافة التي تقطعها الورقة من مكان إصدارها.

وصف المؤرخ براين مورفي هذا النظام في حديثه لإذاعة “NPR” عام 2012، بأنه كان “سيئاً للغاية”.

المشكلة لم تكن جديدة أصلاً. فقبل ذلك، وفي عام 1787، كان السياسي إدموند راندولف يشتكي أمام أعضاء المؤتمر الدستوري السنوي من الخراب الذي أحدثته الأوراق النقدية، بعدما أصدرت ولايات مثل رود آيلاند كميات هائلة من النقود الورقية التي انهارت قيمتها إلى 8 سنتات مقابل الدولار الواحد.

الآباء المؤسسون حاولوا.. لكن من دون جدوى

ولمواجهة الفوضى، منعت الولايات من سك العملات، ونقل هذا الحق إلى “بنك الولايات المتحدة”. لكن هذا الحل خلق مشكلة أخرى: البنك لم يكن قادراً على تلبية الطلب المتزايد في بلد ينمو بسرعة.

وفي المقابل، انتشرت البنوك المحلية بكثافة مذهلة، تقريباً 3 بنوك فقط كانت موجودة عند إقرار الدستور، لكن عددها قفز إلى أكثر من 2000 بنك بين 1782 و1860، كل منها يطبع أوراقه الخاصة وفق قواعد متضاربة.

ولم تتوقف الفوضى عند البنوك. فقد انتشرت أيضاً أوراق نقدية شبه رسمية تعرف ب”shinplasters”، يصدرها تجار وشركات وهيئات محلية، وكان معظمها بلا قيمة حقيقية.

حياة يومية تعتمد على الخبرة.. وليس الأرقام

في هذا العالم، لم يكن المواطن الأميركي يقيس ثروته من خلال الرقم المطبوع على الورقة، بل من خلال خبرته في قراءة الأوراق النقدية، مثل؛ مكان إصدار الورقة، سمعة البنك، والقوانين المحلية، والمسافة التي قطعتها الورقة.

بل إن بعض الأوراق اتسمت بطابع غريب ومبهج، مثل ورقة “سانتا كلوز” الشهيرة التي أصدرها “بنك هوارد”، والتي كانت تحمل صورة للرجل العجوز بملابس عيد الميلاد وهو على زلاجته. ورغم الطابع الاحتفالي، فإن قيمتها الفعلية كانت مرهونة فقط بقدرة البنك على تحويلها إلى ذهب وفضة.

الحرب الأهلية.. ونهاية الفوضى بالصدفة

المفارقة أن الفوضى لم تنته رغبة في الإصلاح، بل بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1861. فمع بداية عام 1862، كانت الخزانة الأميركية على وشك الإفلاس، خاصة مع تراجع الإيرادات من 60 مليون دولار سنوياً قبل الحرب إلى 42 مليوناً فقط، وأصبح الجيش عاجزاً عن دفع رواتب جنوده.

عندها لجأت الحكومة إلى خطوة جذرية، عبر طباعة 150 مليون دولار من أوراق “الغرينباك” الشهيرة ذات اللون الأخضر، واستخدمتها لدفع النفقات العسكرية. وللمرة الأولى في التاريخ، التزمت كل ولايات الشمال باستخدام مجموعة موحدة من الأوراق النقدية تصدرها الحكومة الفيدرالية مباشرة.

وبالتزامن، أنشأت واشنطن نظام “البنوك الوطنية” التي تخضع لإشراف مركزي وتجبر على شراء سندات حكومية، مما وفر تمويلاً ضخماً للمجهود الحربي.

هكذا ولد الدولار الموحد.. دون تخطيط

ما حدث بعد ذلك لم يكن متوقعاً. فالأوراق الجديدة كانت، موحدة المظهر ويمكن استخدامها في كل الولايات، كما أنها مضمونة من الحكومة نفسها.

ولأول مرة، امتلك الأميركيون عملة موحدة موثوقة. ولم يعد أحد يرغب في العودة إلى عالم الفوضى القديمة، ولا إلى حمل محافظ مليئة بأوراق لا يعترف بها أحد.

وهكذا، وبالصدفة تقريباً، أدت حاجة الدولة لتمويل الحرب إلى إنهاء قرن من الفوضى النقدية، وتوحيد البلاد لأول مرة تحت راية “الدولار” الذي نعرفه اليوم.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *