ناجي الخوري
في توقيتٍ بالغ الدقة، وبين تصاعد التوترات جنوباً واستمرار الجمود السياسي والاقتصادي داخلياً، حطّ وفد رفيع من البنك الدولي في بيروت، مؤلف من أحد عشر مديراً تنفيذياً، في زيارة هي الأوسع من نوعها منذ سنوات.
في الشكل، لا يشبه هذا الوفد الزائرين السابقين الذين كانوا يكتفون بلقاءات تقنية مغلقة أو مؤتمرات قصيرة، بل جاء هذه المرة بمستوى يوازي مجلس إدارة البنك نفسه، ما أعطى الزيارة بعداً يتجاوز حدود التقييم المالي إلى اختبارٍ سياسي واقتصادي شامل لوضع لبنان.
فالمديرون التنفيذيون الذين يشاركون في اتخاذ القرارات الكبرى داخل المؤسسة، لا يتحركون عادةً إلا عندما تكون هناك نية لمراجعة التوجهات أو تقييم مرحلة حساسة. من هنا، اكتسبت الزيارة طابعاً استثنائياً، خصوصاً أنها جاءت في وقتٍ يترنّح فيه الاقتصاد اللبناني تحت ضغط الانكماش، وتتزايد فيه التحديات الأمنية والسياسية.
واضح، منذ لحظة وصوله، أن الوفد لم يأتِ ليسأل عن الأرقام فقط، بل ليلمَس واقع الانهيار على الأرض، كنتيجة نقاشات طويلة داخل أروقة البنك الدولي حول كيفية التعامل مع “الحالة اللبنانية” بعد خمس سنوات من الانهيار المالي غير المسبوق، وتعثر الإصلاحات، وغياب رؤية اقتصادية متكاملة، على ما تشير مصادر مواكبة.
فالمؤسسة التي ضخت خلال العقدين الأخيرين مليارات الدولارات في مشاريع بنى تحتية وتنموية، تجد نفسها اليوم أمام سؤال أساسي: هل لا يزال لبنان قادراً على النهوض، أم باتت أزمته المزمنة أكبر من أي خطة إنقاذ؟
بهذه الخلفية، تحوّلت جولة الوفد اللبنانية إلى ما يشبه “المراجعة الميدانية الشاملة”، التي أرادت من خلالها المؤسسة الدولية أن تضع يدها على النبض الاقتصادي والاجتماعي الحقيقي، وأن تعيد صياغة مقاربتها تجاه لبنان، في ضوء التحولات السياسية والإقليمية والمالية التي تضرب المنطقة.
بادئ ذي بدء، واضح ان الزيارة لم تمرّ بهدوء، اذ حمل الوفد معه رسائل تتقاطع فيها السياسة بالاقتصاد، والتمويل بالثقة المفقودة بين المجتمع الدولي والدولة اللبنانية، عززها مستوى التمثيل الذي لم يقتصر على خبراء وموظفين تنفيذيين من مكاتب بيروت أو واشنطن، بل ضمّ أحد عشر مديراً يمثلون دولاً أساسية في مجلس إدارة البنك الدولي، ما أعطى الزيارة بعداً دبلوماسياً أكثر من كونها مالية بحتة.
لكنّ اللافت أكثر كان قرار النزول إلى الميدان، جنوبا وبقاعا، في خطوة أراد منها البنك الدولي أن يرى بأمّ العين واقع البلاد، لا كما يُعرض على الورق، حيث تقف في الخلفية، ثلاث اهداف رئيسية، وفقا لمصادر متابعة، اهمها:
- أولا: التقييم الميداني الدقيق لحجم الأضرار الاقتصادية والاجتماعية بعد العدوان، تمهيداً لوضع خطة تمويلية أكثر واقعية وملموسة.
- ثانيا، إعادة بناء الثقة بين البنك والدولة اللبنانية التي تراجعت بسبب تعثّر الإصلاحات المالية وتضارب المصالح داخل الإدارة.
ثالثا، اختبار جدّية الحكومة في المضي قدماً بخطوات إصلاحية تسمح بإطلاق قروض ومساعدات جديدة، خصوصاً أن البنك الدولي بات أكثر تشدداً بعد التجارب المريرة في مشاريع الكهرباء والمياه والنفايات.
أما الأهداف غير المعلنة، والكلام للمصادر، فتتصل بإعادة التموضع الدولي في لبنان، في ظل التحولات الإقليمية الجارية. فزيارة بهذا الحجم وفي هذا التوقيت، تعني أن البنك الدولي، بما يمثله من مظلة للدول المانحة، يريد أن يحتفظ بحضوره في المشهد اللبناني، وألا يترك الساحة فارغة أمام نفوذ مؤسسات إقليمية أو دول أخرى. من هنا، كان تأكيد الوفد أن البنك لا يزال ملتزماً بدعم لبنان “إذا توافرت الإرادة والإصلاح”.
اما لجهة التداعيات المحتملة، رأت المصادر، ان الزيارة تتجاوز إطارها المالي، اذ يتوقع على المدى القصير، أن تفتح الجولة الباب أمام إطلاق مشاريع تمويلية محدودة، أو على الأقل تفعيل البرامج المجمدة، رغم ان بعض المراقبين، يربطون الزيارة بالتحضير لحزمة دعم موجهة نحو المناطق الحدودية المتضررة، على غرار ما جرى في أوكرانيا وغزة، حيث يلعب البنك دور المانح والمنسّق بين الجهات الدولية.
أما على المدى المتوسط، فإن شروط التمويل، المعروفة بصرامتها، قد تعيد طرح الملفات الإصلاحية الكبرى على الطاولة: من إعادة هيكلة القطاع المصرفي، إلى إصلاح الكهرباء والحوكمة المالية.
غير أن النجاح في تحويل هذه الزيارة إلى نتائج ملموسة سيبقى رهناً بقدرة لبنان على تقديم نفسه كشريك موثوق. فالبنك الدولي لا يوزّع المنح على دولٍ عاجزة عن تنفيذ الإصلاحات أو غارقة في الانقسامات. لذلك، تؤكد المصادر، أن الزيارة قد تكون بمثابة “فرصة أخيرة” للبنان لاستعادة ثقة المجتمع الدولي، شرط أن ترافقها خطوات حقيقية على الأرض، لا وعود شكلية أو لجان متناسلة.
في المقابل، هناك من يقرأ في الزيارة أيضاً رسالة سياسية مزدوجة: إلى الداخل اللبناني، بأن العالم لم يُدر ظهره بعد، لكنه يراقب ويشترط؛ وإلى الخارج، بأن لبنان ما زال يحتفظ بأهميته الجغرافية والسياسية في معادلة شرق المتوسط، وأن دعم استقراره مصلحة دولية تتجاوز الحسابات المحلية.
في المحصلة، يمكن القول إن زيارة وفد البنك الدولي ليست مجرد حدث دبلوماسي أو اقتصادي، بل محطة اختبار حقيقية لعلاقة لبنان بالمؤسسات المالية الدولية. فإما أن تلتقط بيروت الإشارة، وتترجمها إلى إصلاحات تعيد فتح نوافذ التمويل والاستثمار، وإما أن تبقى الزيارة مجرّد صورة جماعية لمسؤولين على أنقاض مشاريع لم تُكتمل.
ففي بلدٍ أنهكته الأزمات، لا ترفّ للنوايا الحسنة، ولا مكان بعد اليوم للوعود الفارغة. فالعين الدولية تراقب، والوقت يضيق، والمسافة بين الفرصة والخيبة، قصيرة جداً ….







