لم تعد مكانة بريطانيا الاقتصادية محصنة بإرثها التاريخي، في ظل تحديات متراكمة، تتراوح بين تراجع وزنها النسبي في الصناعة عالميا، وضعف النمو، واستمرار الضغوط التضخمية، وصولا إلى ارتفاع الدين.
وتكشف المؤشرات أن التحدي البريطاني يتجاوز تباطؤًا اقتصاديًا عابرًا، ليعكس اختلالات هيكلية تراكمت على مدى سنوات.
تراجع الوزن العالمي للصناعة البريطانية
يقدم تقرير «الابتكار البريطاني لعام 2025»، الصادر عن مجموعة سياسات الابتكار الصناعي بجامعة كامبريدج، صورة واضحة عن انحسار الوزن النسبي لبريطانيا في التصنيع العالمي.
فبحسب التقرير، انخفضت حصة البلاد من القيمة المضافة الصناعية العالمية من 3.1% عام 2000 إلى 1.9% عام 2022، بينما تراجعت حصتها من صادرات التصنيع العالمية من 3.7% عام 2000 إلى 1.5% عام 2020.
وتعكس هذه الأرقام تراجعًا ملحوظًا في موقع بريطانيا داخل منظومة الإنتاج والتجارة الصناعية الدولية.
انحسار على جبهة الصناعات المتقدمة
التراجع في بريطانيا لم يقتصر على الصناعات التقليدية، بل امتد إلى قطاعات متقدمة تمتلك بريطانيا فيها تاريخًا صناعيًا وعلميًا مهمًا.
ويشير تقرير جامعة كامبريدج إلى انخفاض حصتها العالمية من القيمة المضافة في مجموعة مختارة من 10 صناعات متقدمة من 4.4% عام 2000 إلى 2.6% عام 2020، مع تراجع تنافسيتها في قطاعات تشمل الأدوية ومعدات النقل، بما فيها الطيران وبناء السفن ومعدات السكك الحديدية، فضلًا عن صناعات المعادن والكيماويات والمعدات الكهربائية.
يحدث هذا بينما تمتلك بريطانيا مراكز بحثية متقدمة لديها المعرفة، لكنها تفتقر إلى استثمار مستمر في المصانع والتكنولوجيا والمهارات وسلاسل التوريد.
معدلات نمو ضعيفة
يسجل الاقتصاد البريطاني معدلات نمو ضعيفة ومحدودة مقارنة بحجم التحديات التي يواجهها.
ووفق مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، ارتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.5% في الربع الثاني من عام 2026، بعد نمو بلغ 0.6% في الربع الأول.
ولن تؤدي هذه الأرقام إلى تحول ملموس في الإنتاجية أو مستوى المعيشة.
وارتفع عجز الموازنة البريطانية خلال أيلول إلى 24.5 مليار جنيه استرليني، مقابل 17 مليار جنيه في آب، متجاوزًا توقعات مكتب مسؤولية الموازنة بنحو 1.9 مليار جنيه.
التضخم ينسف القدرة الشرائية
أظهرت بيانات مكتب الإحصاءات الوطني أنّ معدل التضخم السنوي، وفق مؤشر أسعار المستهلكين، قفز إلى 3.5% في أيلول 2026، مقارنة بنسبة 3.1% في آب السابق له.
ويعد هذا المعدل هو الأعلى منذ نحو عام، متجاوزاً متوسط توقعات المحللين البالغ 3.4%.
ويظل استمرار ارتفاع الأسعار بمعدلات تتجاوز المستوى المستهدف للسياسة النقدية عاملًا ضاغطًا على الأسر والشركات.
وتتضاعف هذه الضغوط عندما تتزامن تكاليف السكن والطاقة والغذاء والنقل مع نمو محدود في الدخول.
الدين العام.. عبء متزايد
يمثل الدين العام أحد أبرز القيود التي تواجه الحكومة البريطانية في إدارة الاقتصاد.
فبحسب مكتب الإحصاءات الوطنية، تشير التقديرات الأولية إلى تجاوز الدين العام البريطاني 3 تريليونات جنيه استرليني (4.02 تريليون دولار) للمرة الأولى في نهاية أيلول، ووصلت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 94%.
وأظهرت بيانات رسمية أنّ صافي الاقتراض الحكومي بلغ 32.8 مليار دولار “24.5 مليار جنيه استرليني” في أيلول، متجاوزاً توقعات الأسواق التي بلغت نحو 24 مليار جنيه.
وفي الوقت نفسه، بلغ صافي اقتراض القطاع العام نحو 77.3 مليار جنيه استرليني، متجاوزًا توقعات مكتب مسؤولية الميزانية بنحو 8.1 مليار جنيه.
ويعكس هذا الفارق استمرار الضغوط على الموازنة، مع ارتفاع الإنفاق في بعض البنود بوتيرة تجاوزت التقديرات الرسمية.
وبلغت تكلفة فوائد الدين الحكومي 10.9 مليار جنيه خلال أيلول، بزيادة 17% وهي أعلى قيمة مسجلة لهذا الشهر منذ بدء تدوين البيانات.
وبلغ إجمالي فوائد الدين التي دفعتها الحكومة البريطانية نحو 60.8 مليار جنيه استرليني خلال الأشهر الستة الأولى من السنة المالية 2026-2027 (من نيسان إلى أيلول) وفق بيانات المالية العامة.
وتزداد صعوبة المعادلة مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية، إذ بلغ عائد السندات البريطانية لأجل عشر سنوات نحو 5.4% خلال تشرين الأول الجاري، حول أعلى مستوى لها منذ تموز 2007.
وكلما ارتفعت تكلفة خدمة الدين، ازدادت أهمية المفاضلة بين الإنفاق على الصحة والتعليم والبنية التحتية والاستثمار الصناعي من جهة، والالتزامات المالية القائمة من جهة أخرى.
كما أن ارتفاع أسعار الفائدة أو زيادة تكلفة إعادة تمويل الديون قد يرفع الأعباء المستقبلية، خصوصًا إذا لم يتحسن النمو الاقتصادي بما يكفي لتوسيع قاعدة الإيرادات العامة.
أزمة نموذج
تكشف المؤشرات أن الاقتصاد البريطاني يواجه تحديًا يتجاوز التضخم أو ارتفاع الدين أو تراجع الصناعة كلًا على حدة. فهذه المشكلات تتداخل في حلقة واحدة: ضعف الاستثمار يحد من نمو الإنتاجية، وتباطؤ الإنتاجية يقيد نمو الأجور والإيرادات، وارتفاع تكاليف المعيشة يزيد الضغوط الاجتماعية، بينما يحد الدين العام وتكلفة خدمته من قدرة الحكومة على تمويل التحول الاقتصادي بالسرعة المطلوبة.
وبالتالي، فإن مكانتها التاريخية لا تضمن لها الحفاظ على موقعها في عالم تتغير فيه مراكز الإنتاج والتكنولوجيا بسرعة.



