أخبار اقتصادية

إجتماعات “الربيع”… الإنطباع ذاته يتكرّس…
فحيلي: لبنان حاضر في الشكل وغائب في الفعل

أميمة شمس الدين

في نيسان 2022، تم التوصل إلى اتفاق على مستوى الموظفين Staff-Level Agreement – SLA مع صندوق النقد الدولي، الذي شكّل خريطة طريق واضحة للخروج من الأزمة. يومها، بدا وكأن لبنان يقف على عتبة تحول جدّي، مدعوماً بتشخيص دقيق وإجراءات محددة. إلا أن هذا الاتفاق سرعان ما تحوّل إلى فرصة مهدورة، بعدما عجزت السلطات عن ترجمة الالتزامات إلى قوانين وإصلاحات فعلية، فبقي حبراً على ورق، وتعمّق معه فقدان الثقة الدولية بقدرة لبنان على الالتزام.
منذ ذلك الحين، لم يعد التحدي في تشخيص الأزمة أو في اقتراح الحلول، بل في القدرة على التنفيذ. ومع كل استحقاق دولي جديد، بما في ذلك اجتماعات الربيع، يتكرّس الانطباع ذاته: لبنان يعرف ما يجب فعله، لكنه لا يفعل.
ذهب لبنان مجدداً إلى اجتماعات الربيع لعام 2026 لكلٍّ من مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وفدٌ رسمي يضم ثلاثة وزراء : المالية والاقتصاد والشؤون الاجتماعية ، إلى جانب عدد من الفاعليات الاقتصادية والمستشارين. لقاءات وتصريحات وصور، وربما وعود. لكن خلف هذا المشهد، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: ماذا يحمل لبنان معه إلى هذه الاجتماعات؟
الدول تقاس بحسب
قدرتها على الالتزام
في السياق، يقول الباحث المقيم لدي كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)، وخبير المخاطر المصرفية الدكتور محمد فحيلي : أن المشكلة لم تعد في “ما الذي يجب فعله، بل هل هناك إرادة لفعل ذلك؟ وهذا الفارق الجوهري. لأن ما يُطلب من لبنان اليوم ليس المزيد من الدراسات، بل قرار سياسي يترجم إلى خطوات تنفيذية، عندها يصبح تقييم مشاركة لبنان في هذه الاجتماعات مسألة نوعية لا شكلية، وليس مهماً من حضر، بل ماذا حمل معه. وليس مهماً عدد اللقاءات، بل ماذا نتج عنها. فالدول لا تُقاس بمدى قدرتها على الحضور، بل بمدى قدرتها على الالتزام”.
ويعتبر ان “الحقيقة القاسية هي أن التمثيل اللبناني، رغم أهميته الشكلية، لا يزال يعاني من فجوة أساسية: غياب التفويض السياسي الكامل”، موضحاً أن الوفد “قد يكون تقنياً كفوءً، وقد يطرح أفكاراً منطقية، لكنه يظل محدود القدرة ، إذا لم يكن مدعوماً بقرار سيادي واضح يسمح له بالتفاوض والالتزام. وهنا تتحول المشاركة إلى نوع من إدارة الحضور بدل أن تكون إدارة أزمة”.
ويرى انه في غياب هذا التفويض، “تصبح الرسالة التي تصل إلى المجتمع الدولي مزدوجة ومقلقة: لبنان يريد المساعدة، لكنه غير قادر على الالتزام بشروطها. يريد الدعم، لكنه متردد في اتخاذ القرارات التي تبرّره” ، معتبراً أن “هذه الازدواجية تحديداً هي ما يعمّق فقدان الثقة”.
امتحان داخلي
وعن الإنتاجية، يقول”لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا ببيانات المجاملة”، مؤكداً “أن المعيار الحقيقي بسيط: هل عاد الوفد بخارطة طريق واضحة؟ هل هناك جدول زمني للإصلاحات؟ هل تم تحقيق أي تقدم ملموس في مسار التفاهم مع صندوق النقد؟ إذا كان الجواب سلبياً، فإن الحضور مهما كان نشطاً، يبقى بلا أثر”، معتبراً “أن المشكلة الأعمق أن لبنان لا يزال يتعامل مع هذه الاجتماعات كأنها محطة تفاوضية خارجية، فيما هي في جوهرها امتحان داخلي. والمهم ليس ما نقوله هناك، بل ما نستطيع تنفيذه هنا، فالمجتمع الدولي لم يعد يشتري الوعود، بل يراقب الأفعال. وكل تأخير، كل تردد، كل محاولة للالتفاف، تُترجم مباشرة إلى مزيد من العزلة”.
ويلفت الى ان لبنان اليوم “لا يحتاج إلى تحسين صورته في الخارج، بقدر ما يحتاج إلى إعادة بناء مصداقيته في الداخل، لأن الثقة الدولية ليست قراراً سياسياً يُمنح، بل نتيجة طبيعية لسلوك دولة تثبت أنها قادرة على إدارة نفسها. من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يجب أن يكون: ماذا سنأخذ من اجتماعات الربيع؟ بل: هل نحن جاهزون لنقدّم ما يجعلنا شركاء موثوقين”؟

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *