سباق الذكاء الاصطناعي يواجه عقبة مقلقة للعالم ترتبط بتنامي حجم استهلاك الكهرباء والتي دفعت بعض الدول لإعادة تشغيل محطاتها النووية المتوقفة منذ سنوات أو التخلي عن أهدافها المرتبطة بتفكيك مفاعلاتها النووية.
فالخوارزميات والرقائق الأكثر تقدماً ليست مناطق التنافس الوحيدة، ولكن تأمين الكهرباء الكافية لتشغيل كل ذلك بات محوراً رئيسياً دفع عمالقة التكنولوجيا للتعاقد على شراء طاقة والاستثمار في تشجيع تطوير مفاعلات نووية صغيرة.
فبينما يتعامل مئات الملايين من المستخدمين يومياً مع أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها مجرد خدمات رقمية تولد نصوصاً وصوراً ومقاطع فيديو، يجري خلف الكواليس تشغيل آلاف الخوادم وعشرات الآلاف من معالجات الرسومات داخل مراكز بيانات عملاقة تستهلك من الطاقة ما يعادل استهلاك مدن بأكملها، ويتوقع أن تمثل نحو 3% من استهلاك العالم للكهرباء بحلول 2030 ما قد يتجاوز دولة بحجم اليابان.
تكشف البيانات الحديثة حجم التحول الجاري داخل القطاع. فقد بلغ استهلاك “مايكروسوفت” السنوي من الكهرباء نحو 37 تيراواط ساعة، فيما وصل استهلاك “غوغل” إلى 32.2 تيراواط ساعة، وبلغ استهلاك “ميتا” نحو 18.4 تيراواط ساعة. وتعد هذه الأرقام مرتفعة إلى درجة أن استهلاك بعض هذه الشركات بات يفوق استهلاك دول كاملة صغيرة ومتوسطة الحجم.
وللمقارنة، يستهلك الأردن نحو 20 تيراواط ساعة سنوياً من الكهرباء، ما يعني أن استهلاك مايكروسوفت وحدها تجاوز بالفعل استهلاك دولة بأكملها، رغم أنها لا تنتج سلعاً مادية ولا تدير مصانع ثقيلة، وإنما تقدم خدمات رقمية بالأساس.
هذا التحول يعكس حقيقة جديدة في الاقتصاد الرقمي: الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد صناعة برمجيات، بل أصبح صناعة بنية تحتية وطاقة.
استهلاك يقترب من حجم اليابان
بحسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية (IEA)، استهلكت مراكز البيانات حول العالم نحو 415 تيراواط ساعة من الكهرباء خلال عام 2024، وهو مستوى يفوق الاستهلاك السنوي للكهرباء في كثير من الاقتصادات المتقدمة. وتتوقع الوكالة أن يقفز الاستهلاك إلى نحو 945 تيراواط ساعة بحلول عام 2030.
ولإدراك حجم الرقم، فإن 945 تيراواط ساعة تعادل تقريباً استهلاك اليابان من الكهرباء خلال عام كامل، ما يعني أن مراكز البيانات وحدها قد تصبح خلال بضع سنوات مستهلكاً للطاقة بحجم ثالث أكبر اقتصاد في العالم.
ولا ترجع هذه الزيادة إلى النمو التقليدي للإنترنت أو الخدمات السحابية، بل إلى الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي الذي يتطلب قدرات حوسبة غير مسبوقة.
أين تذهب كل هذه الكهرباء؟
ينقسم استهلاك الطاقة في الذكاء الاصطناعي إلى مرحلتين رئيسيتين.
الأولى هي مرحلة التدريب، حيث يتم تلقين النماذج كميات ضخمة من البيانات عبر آلاف أو عشرات الآلاف من معالجات الرسومات التي تعمل بصورة متواصلة لأسابيع أو أشهر. وتشير تقديرات أكاديمية إلى أن تدريب النماذج المتقدمة قد يستهلك عشرات الجيغاواط ساعة من الكهرباء في دورة تدريب واحدة.
أما المرحلة الثانية، والأكثر أهمية اليوم، فهي مرحلة التشغيل أو ما يعرف بـ”Inference”.
فكل سؤال يكتبه المستخدم إلى روبوت محادثة، وكل صورة يتم توليدها، وكل ملخص أو تحليل أو ترجمة يحصل عليها المستخدم، تتطلب عمليات حسابية فورية داخل مراكز البيانات. ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من النصوص إلى الصور والفيديو والصوت، ترتفع كمية الحوسبة المطلوبة لكل طلب بصورة كبيرة.
ويعتقد خبراء الصناعة أن الفيديو التوليدي قد يصبح أحد أكبر مصادر الطلب على الكهرباء خلال السنوات المقبلة، لأن إنتاج دقائق معدودة من الفيديو يتطلب حجم معالجة يفوق بمراحل ما تستلزمه النصوص التقليدية.
المفارقة التي تحير المستثمرين
للوهلة الأولى يبدو المشهد متناقضاً، فشركات مثل “إنفيديا” تطلق جيلاً جديداً من الرقائق كل عام أو عامين، مع وعود بتحسين كفاءة استهلاك الطاقة وزيادة الأداء. منطقياً، يفترض أن يؤدي ذلك إلى خفض استهلاك الكهرباء.
لكن ما يحدث هو العكس تماماً. فكلما أصبحت الرقائق أكثر كفاءة انخفضت تكلفة الحوسبة، ما يشجع الشركات على زيادة استخدامها بدلاً من تقليصه. ويعرف الاقتصاديون هذه الظاهرة باسم “مفارقة جيفونز”، حيث يؤدي تحسن الكفاءة إلى زيادة الاستهلاك الإجمالي بدلاً من تراجعه.
بعبارة أخرى، لا تستخدم الشركات الرقائق الجديدة لتوفير الكهرباء، بل لتشغيل نماذج أكبر، وخدمة عدد أكبر من المستخدمين، وبناء مراكز بيانات أضخم. ليؤثر ذلك في طلب على الطاقة ينمو بسرعة أكبر من سرعة تحسن كفاءة المعالجات.
مشروع واحد يحتاج كهرباء تعادل 10 محطات نووية
إذا كانت الأرقام السابقة تبدو كبيرة، فإن ما تخطط له شركات الذكاء الاصطناعي يجعلها أكثر إثارة للدهشة.
فمشروع “Stargate” المدعوم من “OpenAI” يستهدف تطوير بنية تحتية حاسوبية وكهربائية تصل إلى نحو 10 غيغاواطات من القدرة الكهربائية خلال السنوات المقبلة.
وللمقارنة، فإن المفاعل النووي الكبير ينتج عادة نحو غيغاواط واحد من الكهرباء. وبذلك تعادل الاحتياجات المستهدفة للمشروع إنتاج ما يقرب من عشر محطات نووية ضخمة.
وعند التشغيل الكامل، يمكن لقدرة كهربائية بحجم 10 غيغاواطات أن تولد أكثر من 87 تيراواط ساعة سنوياً من الكهرباء، أي ما يزيد على استهلاك غوغل الحالي بأكثر من الضعف، ويقترب من نصف استهلاك مصر بالكامل.
كما تعمل “ميتا” على مشاريع لمراكز بيانات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تستهدف قدرات كهربائية تصل إلى نحو 5 غيغاواطات.
لماذا لا تبني الشركات محطات كهرباء بنفسها؟
رغم أن شركات التكنولوجيا لا تتحول رسمياً إلى شركات مرافق كهربائية، فإن سلوكها بات قريباً من ذلك أكثر من أي وقت مضى.
فقد أصبحت “غوغل” و”مايكروسوفت” و”أمازون” و”ميتا” من أكبر المشترين للطاقة المتجددة عالمياً، عبر عقود شراء طويلة الأجل تشمل مشاريع الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية.
كما اتجهت بعض الشركات إلى الاستثمار في مشاريع المفاعلات النووية الصغيرة، والدخول في شراكات مع مطوري البنية التحتية للطاقة، بهدف تأمين إمدادات مستقرة لمراكز البيانات لعقود مقبلة.
من يملك الكهرباء يملك الذكاء الاصطناعي
خلال العقد الماضي كان يقال إن البيانات هي “نفط العصر الرقمي”. لكن مع طفرة الذكاء الاصطناعي يبدو أن الكهرباء نفسها هي المرشح الأقرب لحمل هذا اللقب.
فالفارق بين شركة تمتلك القدرة على تأمين عدة غيغاواطات إضافية من الطاقة، وأخرى لا تستطيع، قد يساوي الفارق بين تدريب نموذج عالمي المستوى أو التخلف عن المنافسة بالكامل.
ولهذا بدأت الحكومات وشركات المرافق والمستثمرون ينظرون إلى مراكز البيانات بالطريقة نفسها التي ينظرون بها إلى المصانع الثقيلة أو مشاريع البنية التحتية العملاقة. فكل مركز بيانات جديد قد يحتاج مئات الميغاواطات، وبعض المشاريع الجديدة تحتاج غيغاواطات كاملة، وهو مستوى من الطلب كان حتى وقت قريب حكراً على المدن الكبرى والصناعات الثقيلة.







