أخبار اقتصادية

في الذكرى السابعة لـ “ثورة ١٧ تشرين” …. “الدولة” ربحت تكيفت ولم تصلح

ناجي الخوري

لم يكن الانهيار المالي الذي انفجر في خريف 2019 مجرّد أزمة نقدية أصابت الليرة والمصارف والقدرة الشرائية للبنانيين، بل كان لحظة انكشاف تاريخية لنموذج اقتصادي وسياسي راكم الاختلالات، وأجّل الاعتراف بالخسائر، وربط الاستقرار بتدفقات الأموال من الخارج والثقة بالقطاع المصرفي.

ومع اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأول، دخل لبنان مرحلة جديدة، لم تعد فيها المشكلة محصورة في كيفية استعادة النمو، بل امتدت إلى سؤال أكثر جوهرية: من يتحمّل كلفة الانهيار، ومن يمتلك القدرة على تحويله إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء الاقتصاد؟

بعد سبع سنوات على تلك اللحظة، لا يمكن التعامل مع الانهيار بوصفه فرصة استفادت منها الدولة بالمعنى التقليدي؛ فالدولة التي عجزت عن حماية الودائع، وضبط المالية العامة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، لم تحوّل الأزمة تلقائياً إلى مكسب اقتصادي.

لكن الانهيار أوجد، نظرياً، فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمصارف والمودعين، وتصحيح بنية الإنفاق العام، واستعادة جزء من القرار الاقتصادي الذي ظلّ أسير نموذج تمويل غير مستدام. والسؤال هو لماذا لم تتحوّل هذه الفرصة، حتى الآن، إلى مسار إصلاحي متكامل، وما الذي لا يزال ممكناً إنقاذه؟

من أولى النتائج التي أتاحها الانهيار للدولة كانت تغيّر المعادلة المالية بصورة قسرية. فقد أدّى انهيار سعر الصرف إلى تقليص القيمة الحقيقية لجزء كبير من الدين الداخلي المقوّم بالليرة، كما تراجعت الكلفة الحقيقية لرواتب القطاع العام مقارنة بمستوياتها السابقة، في وقت فقدت فيه مدخرات الأسر والمؤسسات جزءاً كبيراً من قيمتها. لكن ما بدا تخفيفاً لبعض الأعباء الاسمية لم يكن مكسباً اقتصادياً صافياً؛ إذ ترافقت هذه التحولات مع انهيار القدرة الشرائية، وتراجع الخدمات العامة، وتآكل الثقة بالعملة والمؤسسات.

كذلك، أتاح التضخم وتبدّل أسعار الصرف للدولة تحصيل إيرادات اسمية أكبر من بعض الضرائب والرسوم، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحسّن قدرتها المالية الحقيقية. فالمعيار ليس ارتفاع الإيرادات بالليرة، بل قدرتها على تغطية النفقات الأساسية والاستثمار في البنية التحتية والصحة والتعليم، من دون اللجوء إلى مزيد من الاستنزاف الضريبي للأسر والقطاعات المنتجة.

هنا تكمن المفارقة: استطاعت الدولة أن تتكيّف جزئياً مع الانهيار عبر تقليص إنفاقها الحقيقي، لكنها لم تنجح تلقائياً في تحويل هذا التكيّف إلى إصلاح مالي مستدام. فالاستقرار الذي يقوم على خفض الرواتب والخدمات والاستثمارات العامة ليس استقراراً تنموياً، بل إدارة مؤقتة للعجز على حساب المجتمع.

غير ان الفرصة الإصلاحية الأهم تتجلى في معالجة الفجوة المالية التي أصابت مصرف لبنان والمصارف التجارية. ويشير البنك الدولي إلى أن خسائر القطاع المالي تجاوزت 70 مليار دولار بحلول أيلول 2023، فيما هبطت قيمة الليرة بنحو 98% منذ بدء الأزمة.

هذه الأرقام تضع الدولة أمام خيارين مختلفين جذرياً: إما الاعتراف بالخسائر وتوزيعها وفق تسلسل قانوني واضح، مع حماية صغار المودعين ومحاسبة المسؤولين عن المخالفات، وإما استمرار سياسة تأجيل الحسم، بما يبقي الودائع رهينة قرارات استثنائية ويحوّل الوقت إلى عامل إضافي في تآكل قيمتها.

من هذه الزاوية، لا يجوز للدولة أن تتعامل مع أموال المودعين باعتبارها مورداً متاحاً لتمويل إعادة التوازن المالي. فالأموال التي بقيت عالقة في المصارف ليست ديناً يمكن شطبه بقرار سياسي، كما أن تحميل الخزينة كامل الخسائر من دون تحديد مسؤوليات الأطراف الأخرى قد ينقل الأزمة من ميزانيات المصارف ومصرف لبنان إلى أجيال جديدة من دافعي الضرائب.

فالمطلوب هو بناء معادلة قانونية ومالية تفصل بين مسؤولية الدولة، والتزامات المصرف المركزي، وقدرة المصارف على تحمّل الخسائر، وحقوق المودعين. وقد أقرّ البرلمان في آب 2025 قانون إصلاح أوضاع المصارف، لكن القانون لم يحسم وحده كيفية توزيع الخسائر، التي بقيت مرتبطة بالتشريعات اللاحقة.

أما الفرصة الثانية، فتتمثل في إعادة تعريف دور الدولة الاقتصادي. فقد أظهرت الأزمة أن الاعتماد على تدفقات الأموال الخارجية، والفوائد المرتفعة، والاستدانة، والعقارات، والاستهلاك المستورد، لا يمكن أن يشكّل أساساً مستداماً للنمو. وبالتالي، فإن الاستفادة الحقيقية من الانهيار تقتضي الانتقال من نموذج يموّل الاستهلاك إلى نموذج يدعم الإنتاج والتصدير والاستثمار.

ويبدأ ذلك بإصلاح النظام الضريبي، لا عبر فرض رسوم إضافية بصورة عشوائية، بل بتوسيع القاعدة الضريبية، ومكافحة التهرب، وضبط الجمارك، وإخضاع الأنشطة الاقتصادية لمعايير موحدة، بما يخفّف العبء عن المؤسسات الملتزمة ويحدّ من المنافسة غير العادلة. كما يتطلب تحديث الإدارة العامة، وإصلاح المؤسسات التي تستنزف الخزينة، وربط الإنفاق العام بنتائج قابلة للقياس.

ولا يمكن فصل هذه العملية عن الاقتصاد النقدي الذي توسّع بعد انهيار الثقة بالمصارف. فإعادة إدخال النشاط الاقتصادي إلى القنوات المالية الرسمية تحتاج إلى مصارف قابلة للحياة، ونظام دفع موثوق، وقواعد واضحة لحركة الأموال، وضمانات قانونية تمنع تكرار القيود الاعتباطية على الودائع والتحويلات.

واذا كانت العلاقة مع صندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة تشكّل فرصة إضافية، لكن بشرط ألّا تتحول الإصلاحات إلى مجرد لائحة شروط خارجية، فان المطلوب برنامج وطني يحدد أولويات التعافي، ويعيد هيكلة الدين العام، ويؤسس لاستدامة مالية، ويعزز الحوكمة والشفافية. وقد شدّد الصندوق في زيارته إلى لبنان في أيلول 2026 على ضرورة احترام ترتيب المطالبات القانونية، بحيث لا يتحمل المودعون الخسائر قبل المساهمين والدائنين الأدنى مرتبة، وعلى ضرورة مواءمة معالجة الودائع مع استدامة الدين وقابلية القطاع المصرفي للحياة.

لكن المساعدات لا تُستدرج بمجرد إقرار القوانين، بل بقدرة الدولة على تنفيذها، وإثبات استقلالية القضاء والرقابة، وإقفال منافذ الهدر، وإخضاع الإنفاق العام للمحاسبة. كما أن حاجات إعادة الإعمار، التي قدّرها البنك الدولي بنحو 11 مليار دولار عقب الحرب الأخيرة التي شملها تقييمه، تزيد الحاجة إلى تمويل ميسّر، لكنها ترفع أيضاً مخاطر توجيه الأموال إلى شبكات المصالح بدلاً من الاستثمار المنتج.

هكذا، لم تستفد الدولة اللبنانية من انهيار 2019 بالمعنى الذي يسمح بالقول إنها خرجت أقوى مالياً أو أكثر قدرة على الحكم. ما حصل هو أن الأزمة خفّضت بعض الأعباء الاسمية، وغيّرت توزيع الثروة قسراً، وفرضت على الجميع واقعاً اقتصادياً جديداً، من دون أن تنتج حتى الآن تسوية مكتملة للخسائر أو نموذجاً تنموياً بديلاً.

أما الاستفادة الممكنة اليوم، فتكمن في تحويل الخسارة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء المؤسسات، لا إلى ذريعة لتثبيت توزيع غير عادل للأعباء. وهذا يعني حسم ملف الودائع بشفافية، وإصلاح المصارف، وإعادة هيكلة الدين، وتحسين الجباية، وحماية الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، وفتح المجال أمام القطاع الخاص المنتج.

فالدولة لا تستعيد قوتها لأنها أصبحت أقل إنفاقاً بعد الانهيار، بل لأنها باتت قادرة على تحصيل الإيرادات بعدالة، وإنفاقها بكفاءة، وحماية الحقوق، واستعادة الثقة. وإذا بقيت هذه العناصر غائبة، فإن ما أتاحه 17 تشرين من فرصة لإعادة تأسيس الاقتصاد سيبقى فرصة مهدورة، فيما تستمر كلفة الانهيار في الانتقال من ميزانيات المؤسسات إلى حياة المواطنين ومستقبل الأجيال المقبلة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *