أخبار خاصة

حين ترتفع الكلفة… ترتفع الأسعار، وحين تنخفض الكلفة تختفي الحسومات!… المستهلك يدفع دائماً… والتاجر يريد أن يربح دائماً

عصام شلهوب – سيدرز ريبورت

ما أكثر ما نسمع هذه الأيام العبارة السحرية: «ارتفعت كلفة المادة الأولية، لذلك اضطررنا إلى رفع السعر».

عبارة تبدو منطقية للوهلة الأولى، لكنها في كثير من الحالات تتحول من تفسير اقتصادي مشروع إلى ذريعة جاهزة لتحميل المستهلك كامل الفاتورة، والإبقاء على هامش الربح بمنأى عن أي تضحية.

فإذا ارتفع سعر النفط، ارتفعت كلفة النقل، فترتفع السلعة. وإذا ارتفعت كلفة الكهرباء، ارتفعت السلعة. وإذا ارتفع سعر مادة أولية تدخل في الإنتاج، ارتفعت السلعة. وإذا ارتفعت الضرائب أو الرسوم، ترتفع السلعة.

لكن السؤال الذي يبدو أن أحداً لا يحب سماعه هو:

ماذا يحدث لهامش الربح عندما ترتفع الكلفة؟

هل ينخفض قليلاً؟

هل يتحمل صاحب المؤسسة جزءاً من الزيادة؟

هل يكتفي مؤقتاً بربح أقل إلى أن تستقر الأسواق؟

أم أن القاعدة غير المكتوبة أصبحت: الخسارة على المستهلك، والربح خط أحمر؟

الاقتصاد ليس لعبة «اربح أنت وادفع المواطن»

لا أحد يعترض على حق التاجر أو الصناعي أو صاحب المؤسسة في تحقيق الربح. فالربح ليس جريمة، بل هو ضرورة لاستمرار الاستثمار والإنتاج والعمل.

لكن هناك فارقاً هائلاً بين الربح المشروع وبين تحويل كل ارتفاع في الكلفة إلى فرصة لزيادة السعر أكثر مما تبرره الكلفة نفسها.

وهنا تكمن المشكلة.

فالزيادة في كلفة أحد عناصر الإنتاج لا تعني بالضرورة أن سعر المنتج النهائي يجب أن يرتفع بالنسبة نفسها.

إذا كانت مادة معينة تشكل، مثلاً، 20 في المئة من كلفة إنتاج سلعة ما، وارتفع سعرها 10 في المئة، فليس منطقياً اقتصادياً أن يرتفع سعر السلعة النهائية 10 في المئة تلقائياً، وكأن بقية عناصر الكلفة اختفت من المعادلة.

الأجور موجودة، والإيجارات موجودة، والطاقة موجودة، والنقل موجود، والمواد الأخرى موجودة، والمخزون السابق موجود، والمنافسة موجودة.

والأهم: هامش الربح موجود.

وهذا الهامش يفترض أن يتحمل جزءاً من الصدمة في بعض الظروف، لا أن يتحول إلى منطقة محرمة لا يجوز الاقتراب منها.

لماذا يدفع المواطن دائماً؟

لأن المواطن هو الحلقة الأضعف.

التاجر يستطيع أن يقول: «ارتفعت الكلفة».

والصناعي يستطيع أن يقول: «ارتفعت المواد الأولية».

والمستورد يستطيع أن يقول: «ارتفعت كلفة الشحن والتأمين».

والدولة تستطيع أن تقول: «ارتفعت كلفة الدعم».

أما المواطن فلا يستطيع أن يقول لصاحب العمل: «لقد ارتفعت كلفة حياتي، فاسمح لي أن أزيد دخلي بالقدر نفسه».

ولا يستطيع أن يذهب إلى المصرف ويقول: «ارتفعت أسعار الغذاء والطاقة، لذلك أريد زيادة في مدخراتي».

ولا يستطيع أن يطلب من صاحب العقار تخفيض الإيجار لأن قدرته الشرائية تراجعت.

هو ببساطة يدفع.

يدفع عند محطة الوقود، ويدفع في السوبرماركت، ويدفع في المطعم، ويدفع فاتورة الكهرباء، ويدفع النقل، ويدفع الطبابة، ويدفع التعليم.

ثم يُطلب منه في نهاية المطاف أن يكون «عاقلاً» وأن يتحمل الأزمة!

والأكثر إثارة للريبة: سرعة الارتفاع وبطء الانخفاض

المشكلة لا تكمن فقط في رفع الأسعار عند ارتفاع الكلفة، بل في عدم تماثل حركة الأسعار.

عندما ترتفع كلفة سلعة أو مادة أساسية، قد لا يحتاج الأمر إلى أكثر من ساعات أو أيام حتى تظهر الزيادة على رفوف المتاجر.

لكن عندما تنخفض الكلفة، تبدأ رحلة طويلة من التبريرات:

«المخزون القديم غالٍ».

«الشحنة الجديدة لم تصل».

«هناك كلفة نقل».

«هناك كلفة تخزين».

«الدولار تغير».

«التأمين ارتفع».

«السوق العالمية لم تستقر بعد».

وهكذا يصبح ارتفاع السعر سريعاً، بينما يصبح انخفاضه مشروعاً مؤجلاً إلى أجل غير مسمى.

واللافت أن وزارة الاقتصاد اللبنانية نفسها أكدت في حزيران 2026، بعد تراجع أسعار الطاقة عالمياً، أن انخفاض كلفة النفط والطاقة يجب أن ينعكس سريعاً وواضحاً على أسعار السلع، مشيرة إلى أن ارتفاعات آذار ونيسان كانت مرتبطة بارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين.

فإذا كانت الوزارة تطالب بانعكاس انخفاض الكلفة على الأسعار، فهذا يعني أن العلاقة بين الكلفة والسعر ليست طريقاً باتجاه واحد.

البنك الدولي قالها بوضوح أكبر

المسألة ليست مجرد انطباع صحافي.

فالبنك الدولي أشار في تقريره عن لبنان إلى أن استمرار التضخم، رغم تراجع حدته، يرتبط أيضاً بضعف المنافسة في أسواق المنتجات، وبنية الأسواق الاحتكارية أو قليلة المنافسة، والتسعير بهوامش ربح محلية.

وهذه نقطة شديدة الأهمية.

لأن التضخم ليس دائماً مجرد نتيجة لما يحدث في الخارج.

أحياناً يكون جزء من المشكلة في الطريقة التي تعمل بها السوق في الداخل.

عندما تكون المنافسة ضعيفة، يصبح المستهلك أقل قدرة على الانتقال إلى بديل أرخص. وعندما يتركز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات أو الموردين، تصبح القدرة على تمرير الزيادات إلى المستهلك أكبر.

وهنا لا يعود الحديث عن «السوق» كافياً.

السؤال يصبح:

أي سوق؟ ومن يملك القوة داخله؟ ومن يحدد السعر؟ ومن يراقب هامش الربح؟

لبنان لا يحتاج إلى تجار يخافون من الربح… بل إلى سوق يخاف من الاحتكار

المنافسة ليست شعاراً اقتصادياً جميلاً.

هي الوسيلة التي تمنع صاحب السلعة من فرض ما يشاء عندما يكون أمام المستهلك بدائل حقيقية.

وتؤكد منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أن الأسواق الأكثر تنافسية تساعد على إبقاء الأسعار منخفضة، بينما يؤدي تراجع المنافسة وزيادة التركّز إلى ارتفاع هوامش الربح وقدرة الشركات على التسعير فوق الكلفة الحدية.

كما خلصت دراسة لصندوق النقد الدولي حول قوة السوق في الشرق الأوسط إلى أن قوة السوق لدى الشركات المدرجة في المنطقة كانت أعلى من الولايات المتحدة في العينة المدروسة، مع اتجاه تراجعي خلال الفترة التي شملتها الدراسة.

المعنى واضح:

كلما ضعفت المنافسة، أصبح المستهلك أكثر عرضة لدفع ثمن القوة السوقية للمنتج أو التاجر.

أيها التجار والصناعيون وأصحاب المؤسسات…

ليس المطلوب منكم أن تعملوا بلا ربح.

وليس المطلوب أن تتحولوا إلى جمعيات خيرية.

المطلوب أبسط بكثير:

إذا كان المواطن يتحمل الخسارة، فتحملوا أنتم جزءاً منها.

إذا ارتفعت الكلفة بنسبة محدودة، فلا تجعلوا الزيادة على المستهلك مساوية تلقائياً لارتفاع الكلفة، ثم تضيفوا فوقها هامشاً جديداً.

إذا كانت الأزمة استثنائية، فليكن ربحكم استثنائياً أيضاً، لا أن تكون الأرباح محصنة بينما تتبخر مداخيل الناس.

فالمسؤولية الاقتصادية ليست أن تقول:

«أنا أحمي ربحي».

بل أن تقول:

«كيف أحمي مؤسستي والعاملين لديّ والمستهلك في الوقت نفسه؟»

هذه هي المسؤولية.

أما أن يتحول كل ارتفاع في كلفة الإنتاج إلى مناسبة لإعادة تسعير المنتج، فيما يبقى هامش الربح مصاناً، فهذه ليست مرونة اقتصادية.

هذه ببساطة عملية نقل للمخاطر من المنتج إلى المستهلك.

والدولة أيضاً شريكة في المشكلة عندما تدفع من جيب الناس

هناك وجه آخر أكثر خطورة.

فعندما ترتفع أسعار سلعة أساسية، تتدخل الدولة أحياناً بالدعم أو بالتعويضات أو بالإعفاءات أو بإجراءات أخرى لحماية القدرة الشرائية.

لكن ماذا يحدث عندها؟

قد يتحمل المواطن الكلفة مرتين:

مرة عندما يشتري السلعة بسعر مرتفع.

ومرة عندما تموّل الدولة الدعم من المال العام، أي من الضرائب والإيرادات التي يدفعها المواطن نفسه.

وبذلك يتحول الدعم، إذا لم يكن مصمماً ومراقباً جيداً، إلى دعم للأسعار من دون ضمان أن يصل كامل أثره إلى المستهلك.

وهذا ليس افتراضاً نظرياً في لبنان. فقد سبق لوزارة الاقتصاد أن حذرت من ممارسات تهدف إلى تحقيق أرباح غير مشروعة عبر استغلال مواد أساسية مدعومة، كما سجلت في حالات أخرى مخالفات تتعلق بالتلاعب بالأسعار والاحتكار.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:

كم ستدعم الدولة؟

بل:

من سيستفيد فعلياً من الدعم؟

الربح حق… لكن حماية الربح ليست حقاً مقدساً

لنكن واضحين.

التاجر الذي يبيع ويشتري ويتحمل مخاطر السوق يستحق ربحاً.

الصناعي الذي يستثمر أمواله ويوظف العمال يستحق ربحاً.

صاحب المؤسسة الذي يغامر برأسماله يستحق ربحاً.

لكن لا يوجد في الاقتصاد قانون يقول إن هامش الربح يجب أن يبقى ثابتاً مهما تغيرت الظروف.

إذا ارتفعت الكلفة، فهناك معادلة اقتصادية يجب أن تعاد صياغتها.

والسؤال الطبيعي هو:

كم من الزيادة يتحملها المستهلك؟ وكم يتحملها المنتج؟ وكم يتحملها الموزع؟

هذه هي العدالة الاقتصادية.

أما أن تكون المعادلة دائماً:

الكلفة ترتفع → السعر يرتفع → المستهلك يدفع → الربح محفوظ

فهذا ليس اقتصاد سوق صحياً.

إنه اقتصاد تحميل المخاطر إلى الطرف الأضعف.

والمفارقة اللبنانية أكثر قسوة

في بلد يعاني أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وانكماش اقتصادي متوقع بنحو 6.4% في 2026 وفق أحدث تقديرات البنك الدولي، مع توقع تضخم عند 17.5%، تصبح أي زيادة إضافية في الأسعار ضربة مباشرة إلى الاستهلاك ومستوى المعيشة.

وفي 18 أيلول 2026، أشار صندوق النقد الدولي أيضاً إلى استمرار التضخم بمعدلات من خانتين، في وقت تتعرض فيه مستويات المعيشة لضغوط شديدة.

في مثل هذا الاقتصاد، يصبح السؤال الأخلاقي والاقتصادي معاً مشروعاً:

هل يجوز أن يبقى المستهلك وحده من يدفع ثمن الأزمة؟

المطلوب ليس التسعير القسري… بل الشفافية

الحل ليس أن تحدد الدولة كل الأسعار.

فالسوق الحرة تحتاج إلى مساحة واسعة للمنافسة والتسعير.

لكن السوق الحرة لا تعني سوقاً بلا قواعد.

وزارة الاقتصاد لديها أصلاً مكتب فني لسياسة الأسعار يتابع حركة أسعار أكثر من 600 سلعة، ويدرس الهوامش التسويقية وحصص السوق والمنافسة ومكافحة الاحتكار.
ووزارة الاقتصاد سبق أن طلبت من السوبرماركت إيداع أسعار السلع الرئيسية دورياً، في إطار مكافحة الغلاء وحماية المستهلك.
المطلوب إذن هو تطوير هذه الأدوات، لا إلغاؤها:
شفافية في الكلفة، شفافية في المخزون، شفافية في هامش الربح، ومنافسة حقيقية.
وعندما تنخفض الكلفة، يجب أن يعرف المستهلك لماذا لم ينخفض السعر.
وعندما ترتفع، يجب أن يعرف لماذا ارتفع.
كلمة أخيرة إلى من يريد أن يربح دائماً

أيها التاجر، أيها الصناعي، أيها المستورد، أيها صاحب المؤسسة:

أنت لست عدواً للمواطن، والمواطن ليس عدواً لربحك.

لكن لا تجعل من المواطن شركة تأمين مجانية لمخاطر تجارتك.

لا تجعل كل خسارة على الدولة، وكل زيادة على المستهلك، وكل ربح لك.

فالسوق الصحي ليس المكان الذي يربح فيه طرف واحد مهما كانت الظروف.

السوق الصحي هو الذي يتقاسم فيه أطراف العملية الاقتصادية المخاطر والمكاسب بصورة عادلة.

وعندما تطلب من الدولة أن تدعمك في الأزمات، ومن المواطن أن يدفع زياداتك، ثم ترفض أن تتنازل أنت عن جزء ولو محدود من هامش ربحك، فالمشكلة لم تعد في سعر المادة الأولية.

المشكلة أصبحت في عقلية اقتصادية ترى أن الربح حق كامل، والخسارة حق حصري للآخرين.

وهذه العقلية، قبل أن تكون ظالمة للمستهلك، هي وصفة لتدمير السوق نفسها.

لأن المستهلك الذي لا يعود قادراً على الشراء لا ينقذ تاجراً ولا مصنعاً ولا شركة.

وفي النهاية، عندما يُستنزف جيب الناس، لا يبقى من السوق إلا رفوفٌ ممتلئة… وجيوبٌ فارغة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *