كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة “سيل” (Cell)، أن تقليل السعرات الحرارية المستهلكة بنسبة 30% يسهم في كبح وتراجع معدلات تراكم الطفرات في الحمض النووي (DNA) لدى الفئران، في خطوة واعدة لفك شفرة الشيخوخة.
ويثبت الاكتشاف لأول مرة وجود ارتباط وثيق بين نمط التغذية وحماية الحمض النووي (DNA) من التلف مع تقدم العمر، مما يفتح آفاقاً غير مسبوقة لتطوير استراتيجيات وقائية تحد من الأضرار الجينية المسببة للأمراض المرتبطة بالشيخوخة.
وأظهرت النتائج أن مفعول خفض السعرات الحرارية لم يكن متساوياً في جميع أنحاء الجسم، حيث سجلت خلايا الكبد انخفاضاً أكبر في العيوب الجينية مقارنة بخلايا الكلى والدماغ.
كما رصد الباحثون اختلافات واضحة في استجابة أجزاء الشفرة الوراثية (الحمض النووي)، مما يشير إلى أن العلاقة بين نوع التغذية والتغيرات الجينية المرتبطة بالتقدم في العمر هي أكثر تعقيداً وتشابكاً مما كان متوقعاً في السابق.
وأجرى الدراسة باحثون بقيادة فريق من مركز “لانغون” الصحي التابع لجامعة نيويورك ومستشفيات جامعة كليفلاند، بالتعاون مع علماء من المركز الطبي لجامعة تكساس ساوثويسترن والمعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة، مستخدمين تقنيات عالية الدقة لتسلسل الحمض النووي ورصد التغيرات التي تطرأ عليه.
واعتمدت التجربة على مقارنة مجموعتين من الفئران، حيث خُفّضت كمية السعرات الحرارية للمجموعة الأولى بنسبة 30%، بينما تُرِكت المجموعة الثانية تتناول طعامها بحرية ودون قيود.
وابتكر الباحثون هذه المنهجية لتحديد التأثير الفعلي لهذا النظام الغذائي في منع العيوب الوراثية على امتداد الشفرة الوراثية الكاملة للجسم، بدلاً من الاكتفاء بفحص جينات محدودة، مما منح الدراسة دقة علمية غير مسبوقة.
وأوضحت الدراسة أن جينات الإنسان تشبه “سلسلة حماية” طويلة تحافظ على الشباب والصحة، ومع تقدمنا في العمر، تتعرض هذه السلسلة لأخطاء تشبه “الصدأ”، حيث تتبدل بعض حلقاتها القوية بحلقات ضعيفة، أو تضيع منها أجزاء أساسية، لكن العلماء وجدوا أن تقليل الطعام يمنع حدوث هذا الصدأ ويحافظ على قوة الجينات، وكانت خلايا الكبد هي الأكثر استفادة وحماية لنفسها مقارنة ببقية أعضاء الجسم.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في أن بعض هذه العيوب والأخطاء الجينية إذا تراكمت، قد تؤدي إلى تعطيل وظائف الجسم والإصابة بأمراض خطيرة مثل السرطان، على الرغم من أن معظم التغييرات الطفيفة التي تحدث خلال حياتنا قد لا تسبب ضرراً واضحاً فورياً، ويفتح هذا الإنجاز الباب أمام طرق جديدة تماماً للحفاظ على الصحة وإطالة عمر الخلايا دون الحاجة لأدوية معقدة.




