عصام شلهوب – سيدرز ريبورت
بعد أكثر من 30 عامًا على توقفه، خرج مطار الرئيس رينيه معوض – القليعات من دائرة الوعود السياسية إلى مسار تنفيذي فعلي، مع إعلان وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني فضّ عروض المزايدة العمومية الخاصة بتشغيل واستثمار المطار، ورسوّها على شركة Sky Lounges Services، في خطوة وُصفت بأنها محطة مفصلية لإعادة تشغيل ثاني مطار مدني في لبنان.
وبحسب بيان وزارة الأشغال، جرت العملية وفق أحكام قانون الشراء العام ومعايير الشفافية والتنافسية القانونية والإدارية، بما يحفظ مصلحة الدولة اللبنانية ويؤمّن أفضل الشروط التشغيلية والاستثمارية.
على الورق، يبدو المشهد واعدًا: مطار جديد يخفف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي، منصة لوجستية جديدة في شمال لبنان، وفرصة لتنشيط الاقتصاد المحلي في عكار وطرابلس وخلق وظائف مباشرة وغير مباشرة. لكن اقتصاديًا، الإعلان عن الفائز لا يلغي الأسئلة الأساسية، بل يفتحها على مصراعيها.
المعضلة ليست في مبدأ تشغيل مطار القليعات، بل في طبيعة العقد الاقتصادي الذي سيحكم هذا الاستثمار.
فالمطار ليس مجرد مدرج للطائرات، بل أصل استراتيجي متعدد الإيرادات:
- رسوم الركاب والمغادرة
- الشحن الجوي والخدمات اللوجستية
- السوق الحرة
- مواقف السيارات
- تأجير المساحات التجارية
- خدمات المناولة والصيانة
هذه العناصر تجعل أي مطار حديث مركزًا ربحيًا متكاملًا، وليس مجرد مرفق خدماتي.
لذلك، ورغم أهمية نجاح المزايدة وإتمامها ضمن الأصول، يبقى السؤال المالي جوهريًا: هل يضمن العقد للدولة اللبنانية حصة عادلة من العائدات المستقبلية؟
وهل يتضمن آليات واضحة لإعادة تقييم الحصة المالية مع نمو حركة التشغيل، أم أن الدولة اكتفت بعائد ثابت أو محدود مقابل أصل قد يتحول خلال سنوات إلى منصة ذات إيرادات مرتفعة؟
في اقتصاد يعاني من أزمة مالية خانقة وعجز مزمن في المالية العامة، لم يعد مقبولًا تقييم نجاح المشاريع فقط بسرعة الإنجاز أو إنهاء المناقصات، بل بقدرتها على تعظيم الإيرادات العامة وتحويل الأصول المجمدة إلى مصادر دخل مستدامة.
وزارة الأشغال قدّمت المشروع كرافعة تنموية للشمال وكمؤشر على قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ مشاريع استراتيجية وفق الحوكمة الرشيدة. وهذا بحد ذاته تطور مهم، خصوصًا بعد عقود من تعطيل المطار وتحويله إلى عنوان دائم للوعود غير المنجزة.
لكن التجربة اللبنانية مع إدارة الأصول العامة لا تسمح بالكثير من الرومانسية الاقتصادية. فالنجاح الحقيقي لن يُقاس بفضّ العروض أو توقيع العقد، بل بما سيحدث لاحقًا:
- متى يبدأ التشغيل الفعلي؟
- ما حجم الاستثمارات المطلوبة من الشركة الفائزة؟
- ما الجدول الزمني للتنفيذ؟
- وما آلية رقابة الدولة على الأداء والإيرادات؟
هنا تحديدًا يبدأ الاختبار الحقيقي: هل نحن أمام نموذج شراكة حديث يربح فيه المستثمر والدولة معًا، أم أمام نسخة جديدة من إدارة الأصول العامة بمنطق الحد الأدنى للدولة والحد الأقصى للمشغّل؟
لا شك أن إعادة تشغيل مطار القليعات تحمل قيمة اقتصادية ووطنية فعلية، وقد تشكل تحولًا مهمًا في البنية التحتية اللبنانية إذا أُدير المشروع بكفاءة وشفافية.
لكن في لبنان، لا تكمن المشكلة عادة في إطلاق المشاريع، بل في العقود التي تُصاغ خلفها، وآليات الرقابة التي تليها.
مطار القليعات انتقل اليوم من خانة الحلم إلى خانة الالتزام التنفيذي.
أما السؤال الذي سيحدد نجاحه أو فشله فهو بسيط ومعقد في آن واحد:
هل سيكون القليعات بوابة إنعاش اقتصادي للشمال، أم درسًا جديدًا في سوء استثمار الأصول العامة؟



