أخبار خاصة

صندوق النقد الدولي يضغط… والودائع تنتظر: هل ينجح الحاكم؟

ناجي الخوري

لم تعد المعركة حول قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع تدور حول صياغات قانونية أو تعديلات تقنية فحسب. فالمفاوضات مع صندوق النقد الدولي دخلت عملياً إلى قلب الأزمة: من يتحمل الخسائر المتراكمة منذ 2019، وكيف تُعاد الودائع، ومن يدفع ثمن إعادة بناء القطاع المصرفي؟

هنا تحديداً تكمن أهمية كلام حاكم مصرف لبنان كريم سعيد عن أن العمل مستمر على القانون، وأن المصرف المركزي يدرس آلية لإعادة دفع الودائع “بطريقة عقلانية” تتيح في الوقت نفسه تأمين السيولة للنظام المالي. فالرسالة المالية في كلام الحاكم واضحة: لا يمكن إطلاق وعود باستعادة الأموال لا يستطيع النظام المصرفي أو المالية العامة تمويلها.

لكن في المقابل، فإن رسالة صندوق النقد أكثر وضوحاً. ففي ختام بعثته الأخيرة إلى بيروت في 18 أيلول، قال الصندوق إن إقرار تعديلات قانون إصلاح المصارف شكل “خطوة مهمة”، إلا أن استكمال الإصلاح يتطلب مواءمة قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع مع المعايير الدولية، مع احترام ترتيب تحمّل الخسائر، وعدم تحميل المودعين الخسائر قبل المساهمين والدائنين من الدرجة الأدنى. كما شدد على أن صيغة سداد الودائع يجب أن تكون منسجمة مع قابلية القطاع المصرفي للاستمرار واستدامة الدين العام.

بمعنى آخر، فإن الصندوق لا يناقش فقط “كم سيستعيد المودع”، بل يسأل أولاً: من أين ستأتي الأموال؟ ومن سيتحمل الخسائر قبل الوصول إلى أموال المودعين؟
وهذه هي العقدة التي تجعل قانون الفجوة المالية أكثر من قانون عادي.

تكشف المفاوضات الأخيرة حجم الخلاف. فبحسب تقارير لبنانية، تركز جزء أساسي من النقاش على المادة الرابعة من مشروع القانون، بعد عشرات الساعات من الاجتماعات، وسط خلاف حول كيفية تقييم أصول المصارف وخسائرها ومن يتولى إدارة المصارف خلال هذه العملية. وهذا الخلاف ليس تفصيلاً إجرائياً.

فطريقة تقييم الأصول والخسائر ستحدد في النهاية حجم الفجوة المالية التي يجب توزيعها. وإذا كان تقييم الخسائر أقل من الواقع، فقد تبدو خطة السداد أسهل على الورق، لكنها ستبقى عاجزة عن إعادة بناء قطاع مصرفي سليم. وإذا كانت الخسائر أكبر، فسترتفع كلفة إعادة الهيكلة، وستصبح مسألة توزيعها أكثر حساسية سياسياً.

من هنا، فإن تشدد الصندوق في مسألة الإدارة المستقلة للمصارف خلال عملية التقييم يعكس اهتمامه بأن تكون عملية تحديد الخسائر قابلة للتدقيق وغير خاضعة للمصالح القديمة نفسها. وقد أفادت تقارير بأن الصندوق طرح تعيين إدارات مستقلة مؤقتة لعدد كبير من المصارف، فيما أبدت بيروت تحفظات على هذا الطرح.

أما إعلان سعيد أن نحو 8.1 مليارات دولار ستكون قد عادت إلى المودعين حتى نهاية 2026 بموجب التعميمين 158 و166، فيعطي صورة عن حجم المدفوعات التي يمكن تحقيقها تدريجياً، لكنه لا يحل مشكلة الودائع الأكبر.

فالقضية ليست فقط مقدار الأموال التي يمكن دفعها سنوياً، بل كيفية معالجة الكتلة المتبقية من الودائع، وكيفية منع السداد من استنزاف السيولة أو احتياطات مصرف لبنان أو تحميل الدولة التزامات تفوق قدرتها.

هنا تتقاطع رؤية الحاكم مع جوهر موقف الصندوق: لا قيمة لخطة استرداد ودائع إذا كانت تؤدي إلى انهيار مصرفي جديد أو انفجار في الدين العام، علما أن صندوق النقد كان واضحاً في مواقفه السابقة أيضاً لجهة ضرورة إعادة هيكلة القطاع المصرفي، الاعتراف بالخسائر، حماية صغار المودعين قدر الإمكان، والحد من استخدام الموارد العامة لتمويل خسائر القطاع.

من جهتها، مصادر مالية متابعة للمفاوضات ترى أن الصعوبة لا تكمن فقط في الوصول إلى رقم للخسائر، بل في تمرير المعادلة السياسية للخسائر. فأي قانون سيحتاج إلى الإجابة عن أربعة أسئلة شديدة الحساسية: ماذا بقي من رساميل المصارف؟ ما الذي يستطيع مصرف لبنان تحمله؟ ما الذي تستطيع الدولة تحمله؟ وكيف تتم حماية المودعين، وخصوصاً أصحاب الودائع الصغيرة والمتوسطة؟
وهذه الأسئلة تجعل قانون الفجوة المالية اختباراً فعلياً للحكومة ومجلس النواب، وليس مجرد شرط تقني لصندوق النقد.

الأهم أن إقرار القانون لن يعني تلقائياً صرف أموال الصندوق. فالصندوق أعلن في ختام بعثته أنه سيواصل النقاشات مع السلطات بهدف تطوير برنامج إصلاحي يمكن دعمه باتفاق، ما يعني أن لبنان لا يزال في مرحلة استكمال الشروط والسياسات التي تتيح الانتقال إلى اتفاق على مستوى الموظفين ثم المراحل اللاحقة.

هنا تظهر مفارقة لافتة: لبنان يريد الإسراع في القانون لاستعادة الثقة وفتح الباب أمام التمويل الخارجي، فيما يحتاج الصندوق إلى التأكد من أن القانون نفسه لن يخلق التزامات مالية غير قابلة للاستدامة. فهل يعود التأجيل؟

قبل أيام فقط، كان سعيد قد تحدث عن تقدير بأن إقرار قانون الفجوة المالية قد يحتاج إلى ستة أو ثمانية أشهر، في ظل استمرار الملاحظات والخلافات حول المشروع.

أما الآن، وبعد جولة بعثة الصندوق، فقد أصبح المشهد أكثر تعقيداً: هناك تقدم في قانون إصلاح المصارف، لكن قانون الودائع لم يُحسم، والخلافات حول آلية احتساب الخسائر وإدارتها لم تختفِ.
لذلك، فإن الاختبار الحقيقي للحكومة خلال المرحلة المقبلة سيكون قدرتها على إنتاج صيغة لا ترضي طرفاً على حساب آخر، بل تكون قابلة للدفاع عنها أمام المودعين والقطاع المصرفي ومجلس النواب وصندوق النقد في آن واحد.

فالمعادلة التي تبدو مطلوبة باتت واضحة: حماية المودع من دون إفلاس الدولة، إعادة رسملة المصارف من دون تحميل الخسائر للناس قبل أصحاب المسؤولية، والحفاظ على الاستقرار النقدي من دون دفن الخسائر إلى أجل جديد. هنا يصبح قانون الفجوة المالية أكثر من مجرد “قانون ودائع”.
إنه القانون الذي سيحدد، عملياً، كيف سينتهي النظام المالي الذي ولد قبل 2019، وكيف سيولد النظام المصرفي اللبناني الجديد.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *