أخبار خاصة

ماذا تريد الدولة اللبنانية من القطاع المصرفي ؟… ضريبة اليوروبوندز تفتح جبهة جديدة بين وزارة المالية والمصارف

ناجي الخوري

في بلدٍ لم تُحسم فيه بعد مسؤوليات الانهيار المالي، ولم يُقرّ نهائياً إطار شامل لمعالجة الفجوة المالية واستعادة الودائع، يأتي كتاب مديرية الواردات في وزارة المالية، الذي يطلب من المصارف تسديد ضريبة بنسبة 17% على مؤونات كوّنتها لمواجهة خسائر سندات اليوروبوندز، ليعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين الدولة والقطاع المصرفي.

فالخلاف لا يتعلق بمجرد احتساب ضريبة على سنوات سابقة، بل بطبيعة هذه المؤونات، وما إذا كانت تمثل أرباحاً خاضعة للضريبة أم انعكاساً محاسبياً لخسائر استثمارية مرتبطة بتوقف الدولة عن سداد ديونها منذ آذار 2020.

وتكمن المفارقة في أن المصارف كوّنت هذه المؤونات استجابةً لمتطلبات رقابية فرضها مصرف لبنان، بهدف الاعتراف بالمخاطر التي تحملها محافظها من سندات الدولة. لكن وزارة المالية تعاملت مع المسألة من زاوية ضريبية مختلفة، انطلاقاً من أن الخسائر تبقى، وفق تفسيرها القانوني، غير محققة ما دامت السندات لم تُبع بخسارة أو لم تُعالج ضمن اتفاق يخفض قيمتها الاسمية. وقد نقلت تقارير صحافية عن الوزارة أن تكوين المؤونة وحده لا يكفي لإعفائها من الضريبة، وهو ما يجعل جوهر النزاع مرتبطاً بالتفسير القانوني والمحاسبي، لا بمجرد وجود المؤونة في الميزانية.

هكذا، يتحول الملف إلى اختبار مزدوج: هل تستطيع الدولة تحصيل حقوقها الضريبية من دون الإضرار بمسار إعادة هيكلة القطاع المصرفي؟ وهل تستطيع المصارف إثبات أن المعالجة الضريبية المطلوبة لا تتجاهل الخسائر التي تكبدتها فعلياً نتيجة تعثر الدولة، وإن لم تُحسم نهائياً في إطار إعادة هيكلة الدين؟

لعل أحد أخطر أوجه هذا الملف كان تضارب التقديرات بشأن حجم الضريبة. فقد تحدثت تقديرات مصرفية وإعلامية أولية عن مبالغ قد تتجاوز مليار دولار، فيما نقلت صحيفة «النهار» في 13 آب 2025 عن مصادر مصرفية ووزارة المالية أن الاحتساب وفق أسعار الصرف المعتمدة للفترة المعنية قد يجعل المبلغ الإجمالي في حدود 20 إلى 40 مليون دولار، بدلاً من الأرقام المتداولة. كما أفادت «L’Orient Today» في 28 آب 2025 بأن التقديرات تراجعت إلى عشرات ملايين الدولارات، مع التوصل إلى معالجة تتصل بقبول التسديد بالليرات المصرفية.

هذه الفجوة بين التقديرات ليست تفصيلاً تقنياً. إنها تكشف كيف يمكن لملف ضريبي غير واضح الأرقام أن يتحول إلى مصدر قلق للمودعين، وأن يثير مخاوف من تعثر المصارف في تنفيذ التزاماتها. لكنها تفرض أيضاً ضرورة عدم التعامل مع الأرقام الأولية باعتبارها مبالغ نهائية واجبة الدفع، أو الاستنتاج بأن القطاع المصرفي بات مهدداً بالإفلاس بسبب هذا التكليف وحده.

الأهم أن هذه المعطيات تعود إلى تطورات عام 2025؛ لذلك ينبغي التحقق مما إذا كان الكتاب المتداول حالياً يتعلق بالتكليف نفسه، أو بإجراء جديد لتصحيح أوضاع ضريبية عن سنوات سابقة، قبل إسقاط تلك الأرقام على الوضع الراهن.

عند هذا الحد تظهر ثلاثة مخاطر أساسية: الأول، استنزاف السيولة المتاحة إذا فُرضت مبالغ كبيرة واجبة الدفع فوراً. فالمشكلة لا تتعلق فقط بقدرة القطاع المصرفي ككل على الدفع، بل بتوزيع السيولة بين المصارف؛ إذ قد يتمكن مصرف من التسديد من دون تأثير جوهري، بينما يواجه مصرف آخر ضغوطاً أشد. وفي هذه الحالة، قد تتراجع قدرة بعض المؤسسات على تلبية التزاماتها التشغيلية أو تنفيذ برامج الدفع القائمة، من دون أن يعني ذلك أن التعميم سيؤدي حتماً إلى وقف المدفوعات للمودعين.

أما الخطر الثاني، فيتمثل في تعقيد إعادة هيكلة المصارف. ففي الوقت الذي يحتاج فيه لبنان إلى تحديد الخسائر وتقييم الموجودات والالتزامات وإعادة بناء الرساميل، قد تؤدي النزاعات الضريبية إلى زيادة عدم اليقين بشأن المراكز المالية النهائية للمصارف. وإذا بقيت المطالبات موضع نزاع، فقد يصعب تقدير حجم الأموال التي تحتاج إليها كل مؤسسة لإعادة تكوين رساميلها.

والخطر الثالث هو تفاقم أزمة الثقة بين الدولة والمصارف. فالدولة، بوصفها الجهة التي توقفت عن سداد اليوروبوندز، هي أيضاً الجهة التي تطالب المصارف بتسديد ضريبة على مؤونات مرتبطة بخسائر هذه السندات. وهذه المفارقة تمنح المصارف حجة سياسية واقتصادية للاعتراض، لكنها لا تلغي حق الدولة في تطبيق القوانين الضريبية النافذة. فالمسؤولية عن تعثر الدولة لا تحسم تلقائياً المعاملة الضريبية للمؤونات، تماماً كما أن الالتزام الضريبي لا يحسم وحده كيفية توزيع خسائر الانهيار المالي.

أما المخاطر الأبعد تتعلق بالمودعين، الذين قد يجدون أنفسهم مرة أخرى أمام تضارب المصالح بين الخزينة والمصارف. فإذا كانت المطالبات الضريبية مستحقة قانوناً، فإن تحصيلها يعزز إيرادات الدولة. لكن إذا أُدير الملف من دون مراعاة وضع القطاع المصرفي، فقد يضيف ضغوطاً إلى مؤسسات لا تزال عاجزة عن استعادة دورها الطبيعي في تمويل الاقتصاد.

في المقابل، لا يجوز استخدام حقوق المودعين ذريعة لإعفاء المصارف من التزامات ضريبية ثابتة. المطلوب هو التمييز بين الضريبة المستحقة فعلاً، والمبالغ المتنازع عليها، والآثار الناتجة عن اختلاف أسعار الصرف بين السنوات السابقة والسعر الحالي. كما ينبغي ألا تتحول أي تسوية إلى إعفاء غير مبرر، أو إلى تحميل الخزينة خسائر إضافية على حساب المكلفين الآخرين.

اذن، سياسياً واقتصادياً، يعيد هذا الملف طرح السؤال الأساسي في الأزمة اللبنانية: هل تُعالج الخسائر ضمن إطار موحد يحدد مسؤوليات الدولة ومصرف لبنان والمصارف، أم تستمر المعالجة عبر إجراءات منفصلة قد تتعارض آثارها؟

إن فرض الضريبة ليس، في حد ذاته، دليلاً على استهداف المصارف، كما أن اعتراض المصارف لا يثبت عدم قانونية التكليف. الفيصل هو النص القانوني، وطريقة احتساب الضريبة، وحجم المبالغ النهائية، وإمكان مراجعتها وفق الأصول.

فمعركة اليوروبوندز الضريبية ليست معركة على عشرات الملايين أو مئات الملايين فحسب، بل اختبار لقدرة الدولة على استعادة حقوقها من دون زيادة الغموض المحيط بإعادة هيكلة القطاع المصرفي. فالمطلوب ليس الاختيار بين حماية الخزينة وحماية المودعين، بل بناء معالجة قانونية ومحاسبية شفافة تمنع تحميل طرف خسائر طرف آخر، وتضع كل التزام في مكانه الصحيح.

يبقى السؤال الذي يستحق أن يتصدر المانشيت: هل يشكل كتاب مديرية الواردات خطوة لتصحيح الحسابات الضريبية، أم أنه يكشف مجدداً غياب المعالجة المتكاملة للخسائر التي راكمتها الدولة والمصارف منذ الانهيار؟
ويبقى السؤال الذي يخير المصرفيين : ماذا تريد الدولة اللبنانية من القطاع المصرفي بعد سبع سنوات من الانهيار النقدي والتوقف عن سداد ديونها ؟

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *