أخبار اقتصادية

حاكم المركزي يختصرها: الدولة “المتهم الأول” في الانهيار الشامل

ناجي الخوري

في خضم المفاوضات الدقيقة والمتعثرة بين لبنان وصندوق النقد الدولي، وفي وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية لإقرار حزمة التشريعات والإصلاحات المطلوبة كمدخل إلزامي لأي برنامج إنقاذ مالي، جاءت مواقف حاكم مصرف لبنان، كريم سعيد، من المجلس الاقتصادي والاجتماعي، لتسلّط الضوء مجدداً على جوهر الأزمة اللبنانية، بعيداً عن المقاربات التقنية الضيقة التي اختزلت الانهيار طوال السنوات الماضية في أزمة سيولة مصرفية أو مشكلة نقدية قابلة للمعالجة عبر إجراءات موضعية.

فخطاب الحاكم الجديد لم يقتصر على توصيف الواقع المالي والنقدي، بل حمل في مضمونه محاولة لإعادة صياغة الرواية الرسمية للأزمة، وإعادة ترتيب الأولويات والمسؤوليات في لحظة مفصلية يقف فيها لبنان بين خيارين: إما الانتقال إلى مرحلة الإصلاح الفعلي، أو الاستمرار في إدارة الانهيار بأدوات سياسية أثبتت عجزها خلال السنوات الست الماضية.

فما هي النقاط الرئيسية التي اوردها، ربطا بمسار المفاوضات المتعثر مع صندوق النقد الدولي، وبطء عملية التشريع فيما خص القوانين الاصلاحية؟
لعل من المهم التوقف امام خمس نقاط اساسية تناولها، سيكون لها تأثيرها على مسار الاحداث القادمة، وهي:

  • أولاً: إعادة تعريف الأزمة، في رسالة إلى صندوق النقد، اذ منذ بداية المفاوضات معه، كان الخلاف الأساسي يدور حول كيفية توصيف الأزمة وتوزيع الخسائر. الجديد في خطاب سعيد أنه نقل النقاش من مستوى “أزمة مصرفية” إلى مستوى “أزمة نظامية شاملة”، وهو توصيف يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية مهمة.

فالحاكم يقول عملياً إن الأزمة ليست نتاج سوء إدارة المصارف وحدها، بل نتيجة نموذج اقتصادي كامل شاركت فيه الدولة ومصرف لبنان والمصارف التجارية. بهذا المعنى، يحاول سعيد إعادة توزيع المسؤوليات بطريقة تمنع تحميل القطاع المصرفي وحده أو المودعين وحدهم كلفة الانهيار.

طرح يتقاطع جزئياً مع مقاربة صندوق النقد التي تعتبر أن الخسائر موزعة بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف، لكنه يختلف معه في نقطة جوهرية: أولوية حماية الودائع وعدم شطبها أو اقتطاع الجزء الأكبر منها.

  • ثانياً: معركة المودعين ودفع الفاتورة المستحقة لهم: اذ ان أكثر ما يلفت في الخطاب هو إعلانه أن “المودعين ضحايا وليسوا شركاء في الأزمة”.
    موقف يكتسب أهمية استثنائية لأنه يأتي في وقت ما زالت فيه المؤسسات الدولية وبعض الجهات المالية تعتبر أن أي خطة تعافٍ ستتطلب توزيعاً مؤلماً للخسائر. لذلك يمكن قراءة كلام سعيد كرسالة مزدوجة:
  • إلى الداخل اللبناني: لن يكون مصرف لبنان شريكاً في أي خطة تقوم على شطب واسع للودائع.
  • إلى صندوق النقد: أي برنامج إصلاحي يجب أن يراعي البعد الاجتماعي والسياسي للأزمة اللبنانية.
    لكن المشكلة تكمن في الفجوة بين المبدأ والقدرة التنفيذية. فحماية الودائع تحتاج إلى مصادر تمويل ضخمة، فيما الدولة تعاني من إفلاس فعلي، والاقتصاد لم يدخل بعد مرحلة النمو المستدام.
  • ثالثاً: تسييل الأصول، مع ما قد يعنيه من بداية مواجهة سياسية جديدة، اذ ان إعلان الحاكم استعداده لتسييل أصول مصرف لبنان يفتح باباً واسعاً للنقاش:
  • اقتصادياً، يشكل ذلك اعترافاً بأن المصرف المركزي مستعد لتحمل جزء من الخسائر.
  • سياسياً، يضع الدولة أمام سؤال أكبر: إذا كان مصرف لبنان سيبيع أصوله، فهل ستكون الدولة مستعدة أيضاً لتوظيف أصولها وأملاكها العامة وصناديقها الاستثمارية في إطار خطة التعافي؟

هنا تحديداً قد تنشأ إحدى أبرز نقاط التباين بين الحكومة والقوى السياسية المختلفة، لأن ملف الأصول العامة لطالما ارتبط بحساسيات سياسية وطائفية ومخاوف من الخصخصة.

  • رابعاً: تباطؤ التشريعات، الذي يشكل العقدة الحقيقية، فرغم أهمية خطاب الحاكم، فإن المشكلة الأساسية تبقى في مكان آخر. فصندوق النقد لا ينتظر فقط التشخيصات أو النوايا، بل يريد رؤية تشريعات نافذة وإجراءات تنفيذية واضحة.

فحتى الآن، ما زالت الإصلاحات المطلوبة تتحرك ببطء شديد داخل المؤسسات الدستورية. وهذا البطء يرسل إشارات سلبية إلى المجتمع الدولي بأن الطبقة السياسية لم تحسم بعد خيارها بين الإصلاح الفعلي وإدارة الأزمة.

من هنا يمكن فهم إصرار سعيد على ربط إعادة هيكلة المصارف بإصلاح المالية العامة، لأن أي معالجة مصرفية في غياب إصلاح الدولة ستعيد إنتاج الأزمة نفسها بعد سنوات قليلة.

  • خامساً: هل بدأ مصرف لبنان التموضع في مواجهة السلطة؟
    سياسياً، يمكن قراءة الخطاب باعتباره محاولة من الحاكم الجديد للتموضع خارج دائرة المسؤولية الحصرية عن الانهيار. فهو حمّل الدولة المسؤولية الأساسية بسبب سياسات الاستدانة والعجز المزمن، وذكّر بأن المصارف استفادت من النموذج، واعترف في الوقت نفسه بمسؤولية مصرف لبنان الرقابية.

هذه المقاربة الثلاثية توحي بأن مصرف لبنان يسعى إلى فرض نفسه شريكاً مقرراً في رسم خطة التعافي، لا مجرد جهة تنفيذية تتلقى القرارات من السلطة السياسية.

هكذا يمكن القول إن خطاب الحاكم يشكل أول محاولة متكاملة لإعادة صياغة السردية الرسمية للأزمة اللبنانية قبل الدخول في مرحلة حاسمة من التفاوض مع صندوق النقد الدولي. غير أن نجاح هذه المقاربة يبقى رهناً بعامل واحد: قدرة السلطة السياسية على ترجمة الكلام إلى قوانين وإصلاحات.
فالمشكلة في لبنان لم تعد نقصاً في التشخيص أو الدراسات أو الخطط، بل غياب القرار السياسي القادر على تحويلها إلى واقع.

لذلك فإن الرسالة الأهم في خطاب الحاكم ليست حديثه عن الخسائر أو الودائع أو الأصول، بل إقراره الضمني بأن التعافي أصبح مسألة إرادة سياسية أكثر منه مسألة تقنية أو مالية.

في هذا الاطار، يبدو أن لبنان يقف اليوم أمام مفترق طرق واضح: إما تسريع التشريعات المطلوبة والدخول في اتفاق فعلي مع صندوق النقد يفتح باب التمويل واستعادة الثقة، وإما استمرار المراوحة، بما يعني إطالة عمر الانهيار وتحويل ما تبقى من الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد انتظار وإدارة أزمات بدل اقتصاد تعافٍ ونمو.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *