ناجي الخوري
في لحظة لبنانية شديدة الالتباس والحساسية، حيث تتداخل الأزمات المالية مع انسداد الافق السياسي، ويترسّخ فقدان الثقة بين الدولة ومواطنيها، أتى الإعلان عن فتح مسار تعاون قضائي لبناني – فرنسي جديد في ملف الاستيلاء المنظّم على أموال مصرف لبنان ليعيد خلط الأوراق على أكثر من مستوى.
تطور لا يمكن قراءته كخبر قضائي عابر، ولا كمجرد إجراء قانوني تقني، بل كحدث مفصلي يلامس جوهر الانهيار اللبناني، ويعيد فتح أحد أكثر الملفات حساسية وخطورة في تاريخ الدولة الحديثة: ملف المال العام، السلطة النقدية، وشبكات النفوذ التي أحاطت بها لعقود.
منذ اندلاع ثورة 17 تشرين وما خلفته، تحوّل مصرف لبنان من رمز للاستقرار النقدي، ولو المصطنع، إلى عنوان مركزي للانهيار، ومحور اتهام داخلي وخارجي بإدارة سياسات مالية وُصفت بالكارثية، وبالتواطؤ مع منظومة سياسية – مصرفية أهدرت الاحتياطات، وبدّدت أموال المودعين، وأغرقت الدولة في عجز بنيوي غير مسبوق.
غير أن هذا الاتهام، على اتساعه شعبياً وإعلامياً، ظلّ لفترة طويلة من دون ترجمة قضائية جدية على الصعيد اللبناني، بفعل تشابك المصالح، تعطّل القضاء، تحصّن مراكز القرار خلف شبكة حماية سياسية وطائفية معقّدة.
في هذا السياق، برز القضاء الأوروبي، ولا سيما الفرنسي، كمساحة بديلة للمساءلة، وكمنصة قانونية قادرة على تجاوز القيود المحلية، حيث شكّلت التحقيقات الفرنسية في ملفات مالية مرتبطة بمصرف لبنان وحاكمه السابق منعطفاً نوعياً، كاسرة عملياً احتكار الداخل لملف المحاسبة، وفتحت الباب أمام مقاربة جديدة للفساد اللبناني بوصفه “فساداً عابراً للحدود”، يتقاطع فيه المال العام مع شبكات شركات واجهة، وملاذات ضريبية، وأنظمة مالية دولية.
اليوم، ومع الإعلان عن انتقال حاكم مصرف لبنان الحالي إلى باريس، وفتح قنوات تعاون مباشر ومنهجي مع قاضية التحقيق الفرنسية، تنتقل القضية إلى مرحلة أكثر تقدماً وخطورة. فالبيان الصادر عن مصرف لبنان لا يكتفي بالإشارة إلى استمرار التحقيقات، بل يتحدث بوضوح عن اكتشاف أفعال متعمّدة ومنسّقة أدّت إلى الاستيلاء على أموال عائدة للمصرف، بهدف الإثراء الشخصي غير المشروع، وبمشاركة أفراد وشركات موزّعة بين أوروبا وملاذات ضريبية. توصيف، يرفع بحد ذاته، القضية من مستوى الشبهة إلى مستوى البناء المنهجي للدعوى الجنائية الدولية.
هنا، تكمن أهمية هذا التطور في أنه يعيد تعريف موقع مصرف لبنان داخل هذا الملف. فبدلاً من أن يكون المؤسسة المتهمة أو الصامتة، يظهر المصرف، وفق البيان، كطرف أساسي في الدعاوى، يسعى إلى تنقيح استراتيجيته القانونية وتوسيع تحقيقاته بهدف استرجاع الأموال المنهوبة. تحول يحمل انعكاسات مباشرة على المشهدين المالي والسياسي في لبنان، سواء أكان نابعاً من إرادة إصلاحية فعلية أم من ضغوط خارجية.
أما على الصعيد السياسي، يفتح هذا المسار الباب أمام مرحلة جديدة من “التوتر المكتوم” داخل النظام اللبناني. فكل تقدم قضائي خارجي سيعني حكماً إعادة طرح أسئلة المسؤولية، ليس فقط على المستوى الإداري أو التقني، بل على مستوى القرار السياسي الذي وفّر الغطاء، أو غضّ الطرف، أو استفاد بشكل مباشر أو غير مباشر من منظومة الهدر والنهب. عليه، يصبح التعاون القضائي مع باريس عاملاً مقلقاً لكثير من القوى التي اعتادت تسوية الملفات الكبرى داخل الغرف المغلقة، بعيداً عن المحاسبة.
على الصعيد المالي، فإن الحديث عن استرجاع أموال منهوبة، ولو جزئياً، يكتسب بعداً رمزياً بالغ الأهمية. ففي بلد ضاعت فيه أموال المودعين، وتآكلت احتياطات المصرف المركزي، وانعدمت الثقة بأي مسار إصلاحي، يشكّل هذا الملف اختباراً جدياً لمدى استعداد الدولة اللبنانية، أو ما تبقى منها، للانتقال من منطق الإنكار إلى منطق المواجهة القانونية مع الماضي.
عليه، لا يمكن عزل هذا التطور عن السياق الأوسع للصراع على مستقبل الدولة اللبنانية: هل نحن أمام بداية مسار تفكيك منظومة الإفلات من العقاب، أم أمام محاولة محدودة لامتصاص الغضب الداخلي والخارجي، من دون المساس بجوهر النظام؟
سؤال، يجعل من هذا التعاون القضائي أكثر من مجرد خبر، ويحوّله إلى محطة مفصلية تستحق التوقف عندها بعمق وتحليل.







