عصام شلهوب – سيدرز
ريبورت
اعتكاف جو صدي يفتح مواجهة داخل الحكومة حول تمويل القطاع وتوزيع كلفة الأزمة: هل المشكلة في الإصلاح أم في دفع مستحقات الدولة لمؤسسة كهرباء لبنان؟
لم يكن إعلان وزير الطاقة والمياه جو صدي اعتكافه عن حضور جلسات مجلس الوزراء مجرد اعتراض وزاري عابر على قرار مالي، بل كشف عن أزمة أعمق داخل الحكومة تتصل بكيفية إدارة قطاع الكهرباء، وبالسؤال الأكثر حساسية: من يدفع كلفة الإصلاح والأزمة، المواطن أم الدولة أم القطاع الخاص؟
الصدي لم ينسحب احتجاجاً على مبدأ الإصلاح، بل على ما يعتبره عدم اتخاذ الحكومة القرارات المالية اللازمة لكي يتمكن الإصلاح من الاستمرار. وفي مؤتمره الصحافي في 6 تشرين الأول، قال بوضوح إن الوزارة حذرت وقدمت الأرقام والحلول، وإن الاجتماع الوزاري الأخير لم ينتج تجاوباً فعلياً مع طروحاتها، معلناً اعتكافه إلى حين تحمّل الحكومة مسؤولياتها تجاه القطاع.
لكن خلف هذا الاعتكاف تكمن قصة أكبر: حكومة تريد الخروج من زمن سلفات الكهرباء، ووزير يقول إن الدولة لا تحتاج إلى سلفة جديدة أصلاً، بل إلى تسديد ما عليها لمؤسسة كهرباء لبنان.
من سبع ساعات إلى ساعتين: ماذا تغيّر؟
في شباط الماضي، تمكنت مؤسسة كهرباء لبنان، بحسب الصدي، من رفع التغذية إلى ما بين سبع وتسع ساعات يومياً من دون تحميل الخزينة سلفة جديدة. لكن ارتفاع أسعار النفط عالمياً أدى إلى تضاعف كلفة شحنات الفيول، فتراجعت القدرة على تأمين الكهرباء إلى ما بين ساعتين وأربع ساعات يومياً. وتقول وزارة الطاقة إن المؤسسة أصبحت قادرة، وفق الأسعار الحالية ومعدل الجباية، على شراء نحو نصف كميات الفيول التي كانت تشتريها سابقاً.
هنا طرح الصدي معادلة مختلفة عن معادلة الماضي: بدلاً من العودة إلى سلفات الخزينة، تقوم الدولة بتسديد المستحقات المتراكمة عليها لمصلحة مؤسسة كهرباء لبنان.
وفي تموز الماضي، حدد الصدي اقتراحه بـ50 مليون دولار شهرياً من المستحقات، موضحاً أن متأخرات الدولة والمؤسسات العامة كانت تبلغ نحو 250 مليون دولار حتى نهاية 2025، وأنها ارتفعت لاحقاً مع تراكم الاستهلاك. وفي موقف أحدث، رفع الرقم الإجمالي إلى نحو 300 مليون دولار.
والصدي يصر على نقطة أساسية: هذه الأموال ليست سلفة ولا ديناً جديداً، بل مستحقات لمؤسسة كهرباء لبنان على مؤسسات الدولة.
وهنا تحديداً يبدأ الخلاف الحقيقي.
كيف تطلب الدولة من المواطن أن يدفع، وهي لا تدفع؟
السؤال الذي طرحه الصدي يحمل بعداً يتجاوز الحسابات المالية: إذا كان المواطن مطالباً بتسديد فاتورته كاملة حتى يستمر مرفق الكهرباء، فلماذا لا تسدد الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة فواتيرها للمؤسسة نفسها؟
وقد عبّر الصدي عن المفارقة صراحة: كيف يُطلب من المواطن تسديد فاتورته كاملة، فيما مؤسسات الدولة لا تسدد ما يترتب عليها، بما يمنع مؤسسة كهرباء لبنان من شراء الفيول؟
بل إن وزارة الطاقة تقول إن التجاوب مع مطالبتها بتسديد فواتير الدولة كان جزئياً ولمرة واحدة فقط.
المسألة هنا ليست تقنية. مؤسسة كهرباء لبنان تبيع الكهرباء، وتحتاج إلى تحصيل إيراداتها لكي تشتري الفيول. فإذا كان جزء من المستهلكين، أياً كانوا، لا يسددون ما عليهم، تتراجع السيولة المتوافرة للمؤسسة.
ومن هنا يمكن طرح السؤال الصحافي الأكثر حساسية:
إذا كان عدم دفع المواطن فاتورته يُعتبر تعدياً على الكهرباء، فما التوصيف السياسي والمالي لعدم تسديد الدولة نفسها ما يترتب عليها لمؤسسة الكهرباء؟
لا يصح قانونياً وصف الدولة بأنها «تسرق الكهرباء»، لأن السرقة وصف جزائي له عناصره القانونية. لكن المقارنة تكشف ازدواجية في معيار الالتزام بالدفع: المواطن مطالب بالتسديد، فيما الدولة نفسها لم تسدد كامل مستحقاتها، رغم أن الأمر يتعلق باستهلاك مؤسسات عامة أو بكلفة إعفاءات اتخذتها الدولة.
الإعفاءات: الدولة تقرر والكهرباء تدفع
القضية لا تتعلق فقط بفواتير الوزارات والمؤسسات.
الصدي طالب الحكومة أيضاً بتسديد قيمة الكهرباء التي قدمتها مؤسسة كهرباء لبنان للمتضررين والنازحين خلال الحرب، باعتبار أن الدولة تتحمل كلفة الإيواء والرعاية في قطاعات أخرى، فلماذا لا تتحمل أيضاً كلفة الكهرباء التي استهلكها هؤلاء؟
وهنا تظهر إشكالية أخرى:
عندما تقرر الدولة إعفاء فئة أو منطقة من فاتورة الكهرباء، هل تتحمل الخزينة كلفة هذا القرار أم تتحول الكلفة تلقائياً إلى خسارة في حساب مؤسسة كهرباء لبنان؟
الصدي يعتبر أن الدولة يجب أن تعوّض المؤسسة عن هذه الإعفاءات.
وهذا يقود إلى جوهر الخلاف: هل إصلاح الكهرباء يعني فقط رفع الجباية من المواطن، أم أن الإصلاح يبدأ أيضاً بإجبار الدولة نفسها على احترام الحسابات المالية للمؤسسة؟
جابر في مواجهة صدي: هل الخلاف على الإصلاح أم على التمويل؟
المعلومات المتداولة عن الاجتماع الوزاري الأخير تكشف أن وزير المال ياسين جابر لم يبد تجاوباً مع اقتراح الصدي إلغاء رسوم المحروقات أو تعليقها أو تعديلها، فيما أيد رئيس الحكومة نواف سلام هذا التوجه، انطلاقاً من أولوية المحافظة على مستوى مرتفع من إيرادات الدولة. كما لم يحظ اقتراح التعرفة الكهربائية المتحركة بالموافقة. وهذه المعلومات مصدرها تسريبات عن أجواء الاجتماع وليست محضراً رسمياً منشوراً.
وهنا لا بد من الدقة.
ليس هناك ما يثبت أن جابر يعارض إصلاح قطاع الكهرباء في ذاته. بل إن الحكومة بحثت، بحضور جابر والصدي، مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في إصلاح القطاع وجذب الاستثمارات الخاصة وتوفير الضمانات اللازمة لها. كما عُرض نموذج كهرباء زحلة بوصفه تجربة يمكن الاستفادة منها في الجباية والحد من الهدر والتعديات.
إذن، الخلاف ليس بالضرورة:
إصلاح ضد عدم إصلاح.
بل أقرب إلى:
من يمول المرحلة الانتقالية؟ ومن يتحمل الكلفة؟ وبأي آلية قانونية ومالية؟
صدي يقترح التعرفة المتحركة
في مواجهة ارتفاع أسعار النفط، طرح الصدي اعتماد تعرفة كهربائية متحركة مرتبطة بسعر الفيول، معتبراً أن هذا الإجراء يسمح بزيادة ساعات التغذية ويخفض الكلفة الإجمالية التي يتحملها المواطن، خصوصاً أن كهرباء الدولة، وفق طرح الوزارة، تبقى أقل كلفة من المولدات الخاصة.
وهو طرح يقوم على فكرة بسيطة اقتصادياً: إذا ارتفعت كلفة الإنتاج بسبب الفيول، تتغير التعرفة وفق آلية واضحة، بدلاً من أن تتحول الزيادة إلى أزمة تمويل ثم إلى انقطاع في التغذية.
لكن التعرفة المتحركة تعني أيضاً أن المستهلك قد يواجه زيادة في فاتورة كهرباء الدولة عندما ترتفع أسعار النفط، حتى لو كانت الكلفة الإجمالية عليه أقل من كلفة المولدات.
وهنا يأتي تحفظ الفريق المالي، وفق ما نقلته أجواء الاجتماع: الحكومة تريد الحفاظ على الإيرادات والانضباط المالي وعدم فتح أبواب تمويل جديدة.
هل نعود إلى زمن علي حسن خليل؟
هنا تبرز المقارنة التاريخية.
في آذار 2021، أقر مجلس النواب سلفة خزينة لمؤسسة كهرباء لبنان بقيمة 300 مليار ليرة، بعد أن أقرتها اللجان المشتركة. وكان علي حسن خليل من النواب المشاركين في النقاش آنذاك، فيما كان ياسين جابر أيضاً عضواً في المجلس.
وفي مرحلة سابقة، كان اللجوء إلى سلفات الخزينة إحدى الأدوات الأساسية لتأمين الفيول واستمرار التغذية.
وفي عام 2021، كانت المعادلة أكثر وضوحاً: لا كهرباء من دون أموال لشراء الفيول، وإذا لم تكفِ الجباية فلا بد من تمويل إضافي. حتى إن النقاش النيابي آنذاك أظهر أن رفع التعرفة إلى مستوى يغطي كامل الكلفة كان سيحمّل المواطنين أعباء هائلة.
أما اليوم، فيحاول الصدي القول إن لبنان يستطيع أن يخرج من هذه الدائرة: لا سلفة جديدة، ولا دين جديد، بل تسديد الدولة ما عليها للمؤسسة.
ومن هنا تبدو المفارقة:
بالأمس كان النقاش: هل نعطي الكهرباء سلفة؟
اليوم أصبح السؤال: لماذا لا تدفع الدولة ما عليها للكهرباء؟
وهذا فرق جوهري، وليس مجرد تغيير في أسماء الوزراء.
جابر وخليل: تشابه في الهاجس المالي لا في الوسيلة
قد يبدو موقف جابر شبيهاً بمواقف وزراء مال سابقين، وبينهم علي حسن خليل، من حيث التشدد في ضبط المالية العامة وعدم التعامل مع الكهرباء كقطاع يمكن تمويله بلا حدود.
لكن المقارنة يجب ألا تتحول إلى اتهام بالتناقض.
علي حسن خليل شارك في مرحلة كانت الدولة تلجأ فيها فعلياً إلى سلفات الخزينة لتمويل الكهرباء، وقد أقر مجلس النواب في 2021 سلفة بقيمة 300 مليار ليرة.
أما جابر اليوم، فالحكومة تتحرك في اتجاه معلن لوقف نموذج السلفات والانتقال إلى قطاع قادر على تمويل نفسه.
لكن المفارقة التي يطرحها الصدي هي أن رفض السلفة لا يعفي الدولة من دفع ديونها للمؤسسة.
فإذا كانت الدولة تقول إنها لن تعود إلى سلفات الكهرباء، فإن السؤال المقابل هو:
هل ستسدد الدولة على الأقل ما استهلكته مؤسساتها وما ترتب عليها من إعفاءات؟
من يعارض الإصلاح إذاً؟
المعطيات المتوافرة لا تسمح بتسمية طرف سياسي محدد والقول إنه «يعارض إصلاح الكهرباء».
هناك، في المقابل، تعارض في المصالح والسياسات.
وزارة الطاقة تدفع نحو نموذج يتضمن هيئة ناظمة، ومجلس إدارة جديداً لمؤسسة كهرباء لبنان، وتنظيم التوزيع والجباية، وتوقف سلفات الخزينة، وفتح المجال أمام القطاع الخاص لإنتاج الكهرباء وتشغيل المعامل. والوزارة تقول إن الهيئة الناظمة التي تأخر تطبيق القانون الخاص بها 24 عاماً أصبحت تعمل للتحضير لإطلاق تراخيص إنتاج وتوزيع للقطاع الخاص.
كما يقول الصدي إن 24 شركة أبدت اهتماماً بالاستثمار في قطاع الطاقة، لكن المستثمرين يطلبون ضمانات مالية وأمنية.
إذن، الإصلاح الهيكلي ليس متوقفاً بالكامل.
لكن السؤال يصبح: هل تستطيع الدولة جذب المستثمرين إذا كانت مؤسسة الكهرباء نفسها تعاني نقص السيولة، والدولة لا تسدد مستحقاتها، والتعرفة لا تزال موضع خلاف؟
وماذا عن المولدات الخاصة؟
هنا توجد طبقة أخرى من المشكلة.
كل ساعة إضافية من كهرباء الدولة تعني، في الأصل، ساعة أقل من اعتماد المواطن على المولد الخاص.
والصدي يطرح التعرفة المتحركة ليس فقط باعتبارها وسيلة لتمويل كهرباء لبنان، بل باعتبارها وسيلة لخفض الكلفة الإجمالية على المواطن، لأن البديل هو شراء الكهرباء من المولدات بأسعار أعلى.
لكن لا يجوز الانتقال من هذه الحقيقة الاقتصادية إلى اتهام أصحاب المولدات بأنهم وراء تعطيل الإصلاح من دون أدلة موثقة.
ما يمكن قوله بثقة هو أن استمرار النقص في كهرباء الدولة يبقي سوق المولدات قائماً، وأن أي إصلاح يؤدي إلى زيادة التغذية الحكومية سيعيد رسم حجم هذا السوق ومداخيله.
وهذا بحد ذاته يجعل ملف المولدات جزءاً من الاقتصاد السياسي للكهرباء، حتى من دون اتهام أي طرف بالتعطيل.
30 في المئة من الهدر: هنا تقع المعركة الحقيقية
الصدي تحدث عن هدر غير فني يبلغ نحو 30 في المئة ووصفه بأنه «سرقة».
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
هناك سرقة وتعديات وهدر غير تقني، وهناك خسائر فنية في الشبكة.
إصلاح الكهرباء لا يمكن أن يقوم على زيادة التعرفة فقط، ولا على ضخ الأموال، بل يحتاج إلى:
جباية كاملة، ضبط التعديات، خفض الهدر، تسديد الدولة لمستحقاتها، معالجة الإعفاءات، تعرفة قابلة للاستدامة، واستثمارات جديدة في الإنتاج والشبكة.
ومن دون هذه العناصر، يمكن أن تتحول أي زيادة في التمويل إلى إعادة إنتاج للأزمة نفسها.
المفارقة الكبرى: الدولة تطلب من الكهرباء أن تكون مؤسسة… ثم تعاملها كوزارة
ربما هنا تكمن خلاصة النزاع.
إذا كانت مؤسسة كهرباء لبنان مؤسسة عامة ذات حسابات مالية مستقلة، فيفترض أن تدفع لها الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة مقابل استهلاكها، وأن تعوضها الدولة عن الإعفاءات التي تقررها.
أما إذا كانت الدولة تعتبر المؤسسة مجرد ذراع للخزينة، فتتحول المستحقات إلى أرقام يمكن تأجيلها، فيما يبقى المواطن مطالباً بالدفع.
وهذا هو التناقض الذي يحاول الصدي إبرازه.
فهو لا يقول: أعطوني سلفة جديدة.
بل يقول: أعطوني ما هو مستحق أصلاً للمؤسسة.
وفي تموز قال صراحة إن ما تطالب به الوزارة ليس ديناً ولا سلفة، بل متوجبات مستحقة لمؤسسة كهرباء لبنان على مؤسسات الدولة.
السؤال الذي يتجاوز اعتكاف صدي
اعتكاف الوزير قد ينتهي بقرار حكومي أو تسوية سياسية، لكن المشكلة التي كشفها لن تنتهي بهذه الطريقة.
فلبنان يقف أمام اختبار حقيقي:
هل يريد فعلاً إصلاح الكهرباء، أم يريد فقط إدارة العتمة بكلفة أقل على الخزينة؟
إذا كان الهدف هو الإصلاح، فإن رفض السلفات خطوة ضرورية، لكن لا يكفي وحده.
فالخطوة التالية المنطقية هي إغلاق حساب الدولة مع مؤسسة كهرباء لبنان، وتسديد المستحقات، وتعويض الإعفاءات، وضبط التعديات والهدر، وتطبيق التعرفة التي تضمن الاستدامة، ثم فتح الباب أمام المستثمرين ضمن قواعد واضحة وضمانات قانونية.
أما إبقاء المؤسسة من دون تمويل، مع مطالبة المواطن بتسديد فواتيره كاملة، ثم القول إن الدولة لا تستطيع استخدام الخزينة لتمويل الكهرباء، فهو يعيد إنتاج المشكلة بطريقة مختلفة.
لقد تغيّر الاسم من «سلفة كهرباء» إلى «مستحقات على الدولة»، لكن السؤال المالي بقي نفسه:
من يدفع ثمن الكهرباء؟
وإذا كان المواطن قد دفع حصته، وإذا كانت مؤسسة الكهرباء مطالبة بتأمين الخدمة، فإن الدولة نفسها أمام السؤال الأصعب:
هل تسدد ما عليها قبل أن تطلب من الناس المزيد؟
وهنا تحديداً يمكن فهم اعتكاف جو صدي: ليس بوصفه معركة على ساعات التغذية فقط، بل باعتباره مواجهة داخل الحكومة حول فلسفة إدارة قطاع الكهرباء، وحدود الانضباط المالي، ومن يتحمل كلفة الأزمة، وما إذا كان الإصلاح سيبدأ من المواطن أم من الدولة نفسها.
والمعركة الحقيقية، في نهاية المطاف، ليست بين «سلفة» و«لا سلفة»، بل بين نموذجين:
دولة تموّل عجز الكهرباء من الخزينة، ودولة تطلب من الكهرباء أن تموّل نفسها؛ وبين النموذجين تقف حقيقة واحدة: لا يمكن لمؤسسة أن تكون مستدامة مالياً إذا كان أكبر مدينيها هو الدولة نفسها.






