ناجي الخوري
تشكل الاتفاقات المرتبطة بأمن الطاقة والممرات البحرية الدولية مؤشراً بالغ الأهمية على اتجاهات الاقتصاد العالمي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمضيق هرمز الذي يعد أحد أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية في العالم.
فمنذ عقود، ارتبط استقرار أسواق النفط العالمية إلى حد كبير بمستوى الأمن في هذا المضيق الذي تمر عبره كميات هائلة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية والأميركية.
لذلك لم يكن مستغرباً أن تتحول أي أزمة أمنية أو سياسية في هذه المنطقة إلى مصدر قلق عالمي ينعكس فوراً على أسعار النفط وأسواق المال وكلفة النقل البحري والتأمين، وصولاً إلى أسعار السلع الأساسية في مختلف دول العالم.
فخلال الأشهر الماضية، فرضت التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران حالة من القلق المستمر في الأسواق الدولية، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد عسكري أو سياسي إلى تعطيل حركة الملاحة في المضيق أو فرض قيود على عبور السفن التجارية وناقلات النفط.
مخاوف انعكست بصورة مباشرة على أسعار الطاقة التي شهدت تقلبات حادة، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري وكلفة الشحن، في وقت كانت الاقتصادات العالمية تحاول التعافي من آثار تباطؤ النمو والتضخم المرتفع الذي أصاب العديد من الدول الصناعية والناشئة على حد سواء.
في هذا الاطار، جاء الاتفاق الأميركي – الإيراني على إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة البحرية بمثابة رسالة طمأنة للأسواق العالمية التي كانت تخشى الدخول في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. فالأسواق المالية عادة لا تتفاعل فقط مع الوقائع الميدانية، بل مع مستوى المخاطر المتوقعة مستقبلاً، ولذلك فإن مجرد التوصل إلى تفاهم سياسي وأمني حول أحد أهم شرايين الطاقة في العالم كان كفيلاً بإعادة جزء من الثقة إلى المستثمرين والمتعاملين في أسواق النفط والشحن والنقل البحري.
غير أن أهمية هذا الاتفاق لا تكمن فقط في إعادة فتح المضيق أو استئناف حركة العبور الطبيعية للسفن، بل في كونه يعكس تحولاً سياسياً أوسع في طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران. فبعد سنوات من المواجهة المباشرة وغير المباشرة والعقوبات والضغوط المتبادلة، يبدو أن الطرفين توصلا إلى قناعة مشتركة بأن كلفة التصعيد أصبحت أعلى من كلفة التفاهم، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجهها الولايات المتحدة وإيران معاً، وحاجة المجتمع الدولي إلى استقرار أسواق الطاقة لتجنب موجة تضخمية جديدة قد تضرب الاقتصاد العالمي.
من منظور الجغرافيا السياسية، فإن الاتفاق يمثل خطوة تتجاوز البعد الاقتصادي البحت، لأنه يعيد رسم جزء من التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط. فاستقرار مضيق هرمز لا يؤثر فقط على الدول الخليجية المنتجة للنفط، بل ينعكس على مجمل البيئة الاقتصادية والسياسية في المنطقة، بما فيها الدول غير المنتجة للطاقة مثل لبنان، والتي تعتمد بصورة شبه كاملة على الاستيراد لتأمين احتياجاتها من المشتقات النفطية والمواد الأولية والسلع الاستهلاكية.
فبالنسبة للبنان، تأتي هذه التطورات في لحظة شديدة الحساسية، حيث لا يزال الاقتصاد اللبناني يعاني من تداعيات الانهيار المالي والنقدي، ويواجه تحديات كبيرة مرتبطة بضعف النمو والاستثمار وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة الإنتاج والنقل. كما أن استمرار ارتفاع أسعار النفط أو الشحن سينعكس بشكل مباشر على الأسعار المحلية نظراً لاعتماد البلاد على الاستيراد في معظم القطاعات الحيوية. لذلك، فإن أي انفراج في أسواق الطاقة العالمية أو انخفاض في مستويات المخاطر الجيوسياسية يشكل فرصة مهمة للتخفيف من الضغوط الاقتصادية الداخلية.
إلا أن قراءة التداعيات المحتملة لهذا الاتفاق على لبنان تتطلب قدراً من الواقعية. فالتجارب السابقة أثبتت أن انخفاض أسعار النفط أو تراجع كلفة الشحن لا يؤدي تلقائياً إلى انتعاش اقتصادي شامل، خصوصاً في الدول التي تعاني من اختلالات بنيوية عميقة.
لذلك فإن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بحجم المكاسب التي يمكن أن يحققها لبنان من استقرار مضيق هرمز، بل بمدى قدرة الدولة والقطاع الخاص على استثمار هذا المناخ الإقليمي الجديد لتحسين المؤشرات الاقتصادية، وتعزيز حركة التجارة والاستيراد والتصدير، واستعادة جزء من الثقة المفقودة بالاقتصاد الوطني.
هكذا، فإن الاتفاق الأميركي – الإيراني لا يمثل حدثاً نفطياً عابراً، بل تطوراً جيو – اقتصادياً قد تكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل الاقتصاد اللبناني، سواء من خلال تأثيره على أسعار الطاقة والتضخم وكلفة النقل، أو عبر ما يحمله من مؤشرات سياسية حول اتجاه المنطقة نحو مرحلة أكثر استقراراً وأقل عرضة للصدمات التي لطالما دفعت لبنان أثمانها الاقتصادية والمالية الباهظة.







