أخبار اقتصادية

الحرب تمتد إلى المتوسط وتهدد بدائل تصدير طاقة الخليج

لم يعد المستثمرون في سوق النفط يتساءلون عما إذا كان مضيق هرمز سيظل مفتوحاً، بل ما إذا كانت الطرق التي اعتمد عليها منتجو الخليج للالتفاف على اضطراباته أصبحت هي الأخرى عرضةً للخطر. وجاء الهجوم الذي استهدف سفينتين للغاز في ميناء دمياط المصري ليُعزز هذه المخاوف، بعدما اقتربت الحرب من الطرف الشمالي لشبكة النقل البديلة التي أبقت صادرات المنطقة تتدفق رغم أشهر من التصعيد.

قالت الحكومة المصرية إن تحقيقاً أولياً خلص إلى أن طائرة مسيّرة مجهولة تسببت في الحريق الذي اندلع على سفينة التخزين وإعادة التغويز العائمة “إنرغوس وينتر”، قبل أن يمتد إلى السفينة “غازلوغ سالم”. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، الذي لم يسفر عن إصابات أو وفيات. وجاء ذلك في وقت تتواصل الضربات الأميركية والإيرانية والعمليات العسكرية في أكثر من ساحة، ما وسّع دائرة المخاطر التي تحيط بممرات الطاقة في الشرق الأوسط.

السوق لم تعد تسعّر هرمز فقط

قفز خام برنت بنحو 7% إلى 90.74 دولار للبرميل عقب الهجوم، وسط تفاعل المستثمرين أيضاً مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، وانخفاض مخزونات الخام الأميركية إلى أدنى مستوياتها منذ 2018. وفي اليوم التالي بقيت أسعار النفط متقلبة مع ترقب تطورات المساعي الدبلوماسية، في وقت لم تتراجع فيه المخاوف الأمنية.

قال تيم ووترر، كبير محللي السوق لدى “كيه سي إم تريد”، إن علاوة المخاطر ستظل مرتفعةً “ما دام المرور الآمن عبر مضيق هرمز مقامرة”. ويعكس هذا التقييم تحولاً في نظرة السوق؛ فالمستثمرون لم يعودوا يركزون على حجم الإنتاج وحده، بل على قدرة المنتجين على إيصال النفط والغاز إلى المشترين عبر شبكة ممرات باتت أكثر هشاشة.

في المقابل، أشارت بيانات وتقييمات “كبلر” إلى أن شحنات النفط السعودي تحديداً لا تزال تشق طريقها إلى المشترين حتى مع تهديدات الحوثيين للملاحة، وإن كانت عبر بدائل أطول وأكثر تكلفة. كما لم تشر أي تقارير إلى خفض “أرامكو” لإنتاج النفط.

تختلف الأزمة الحالية عن مُعظم الأزمات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية. ففي كل مرة كان يتعرض فيها ممر بحري رئيسي للاضطراب، كانت الأسواق تجد طريقاً بديلاً يخفف أثر الصدمة. أما اليوم، فإن الحرب بدأت تطال تلك البدائل نفسها، ما يقلص هامش المناورة أمام المنتجين ويجعل أي تصعيد جديد أكثر تأثيراً في الأسعار والإمدادات.

طريق أطول.. وخيارات أضيق

عندما تعطّلت الملاحة في هرمز، أعادت السعودية توجيه جانب كبير من صادراتها عبر خط الأنابيب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. لكن التهديدات في باب المندب دفعت بعض الناقلات إلى استخدام قناة السويس والبحر المتوسط، ثم الدوران حول رأس الرجاء الصالح للوصول إلى الأسواق الآسيوية.

غير أن هذا الخيار مكلف. فبيانات “كبلر” و”إل إس إي جي” تظهر أن مدة الرحلة من ينبع إلى تايوان ترتفع من نحو 19 يوماً إلى 48 يوماً عند تجنب باب المندب، فيما تقفز كلفة الوقود إلى أكثر من الضعف، إضافة إلى نحو مليون دولار رسوماً لعبور قناة السويس. علاوة على ذلك، لا يستطيع خط أنابيب “سوميد”، البالغة طاقته نحو 2.5 مليون برميل يومياً، استيعاب سوى جزء من الصادرات السعودية التي تقترب من 7 ملايين برميل يومياً.

ولا يعني هجوم دمياط أن هذا المسار خرج من الخدمة، لكنه يوضح أن الطريق الذي عُدَّ الأكثر أماناً خلال الأسابيع الماضية لم يعد بعيداً عن نطاق العمليات العسكرية.

ومع وصول الهجوم إلى مصر، ارتفع عدد الدول التي شهدت ضربات أو عمليات عسكرية أو اعتراضات مرتبطة مباشرة بالحرب إلى 12 دولة على الأقل، في توسع جغرافي يزيد صعوبة عزل البنية التحتية للطاقة عن مسار الصراع.

بدائل لا تعوض هرمز

تكشف الأزمة أيضاً محدودية البدائل المتاحة أمام المنطقة. فبحسب وكالة الطاقة الدولية، لا تملك سوى السعودية والإمارات خطوط أنابيب عاملة تسمح بتجاوز هرمز، بطاقة إضافية تتراوح بين 3.5 و5.5 ملايين برميل يومياً. في المقابل، يعتمد العراق والكويت وقطر والبحرين وإيران بصورة كبيرة على المضيق لتصدير النفط والغاز. وكان نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً يمر عبر هرمز في 2025، بينما تتجه نحو 80% من تلك الشحنات إلى الأسواق الآسيوية.

وتبدو الصورة أكثر تعقيداً في سوق الغاز الطبيعي المسال. فقد مرّ عبر هرمز أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز في 2025، أي ما يقارب خُمس التجارة العالمية، في حين لا توجد بدائل برية قادرة على نقل كميات مماثلة إذا تعطلت الملاحة لفترة طويلة.

من أزمة لوجستية إلى خطر على الإمدادات

حتى الآن، تحملت شركات الشحن والمشترون الجزء الأكبر من كلفة الأزمة عبر ارتفاع التأمين، وإطالة الرحلات، وزيادة تكاليف النقل. لكن إذا أصبحت المسارات البديلة أقل موثوقية، فلن يقتصر الأثر على هذه التكاليف، بل قد تجد بعض الدول المنتجة نفسها مضطرة إلى خفض الصادرات رغم استمرار الإنتاج، لأن قدرتها على إيصال الخام إلى المشترين ستكون محدودة. وعندها تتحول الأزمة من مشكلة لوجستية إلى خطر فعلي على المعروض العالمي.

وتُشير المؤشرات الأولية إلى أن بعض المشترين بدأوا بالفعل في تعديل سلوكهم. فقد أظهرت بيانات “كبلر” تراجع حركة الناقلات عبر هرمز، بينما لجأت بعض السفن المحملة بالنفط السعودي إلى إطفاء أجهزة التتبع أثناء عبورها البحر الأحمر، في حين استؤنفت بعض شحنات الغاز القطري وفق ترتيبات أمنية استثنائية، وليس في إطار عودة طبيعية للملاحة.

ولهذا، لم تعد الأسواق تسأل فقط ما إذا كان مضيق هرمز سيظل مفتوحاً، بل ما إذا كانت شبكة البدائل التي اعتمدت عليها المنطقة طوال الأشهر الماضية ستظل قادرة على أداء هذا الدور إذا استمرت الحرب في الاتساع. والإجابة عن هذا السؤال قد تكون العامل الأكثر تأثيراً في اتجاه أسعار النفط خلال المرحلة المقبلة.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *