أخبار اقتصادية

من النفط إلى خزانتك.. هل تنهي الحرب زمن الأزياء الرخيصة؟

كم قطعة ملابس انتهى بها المطاف في زاوية الخزانة أو سلة التبرعات بعد موسم أو موسمين، رغم أنك لم ترتدها سوى مرات معدودة؟

قبل عقود، كانت الملابس تُشترى لتدوم سنوات، أما اليوم فأصبحت تُستبدل بوتيرة متسارعة غذّتها الموضة السريعة، مستفيدة من عقود من النفط الرخيص الذي خفض تكاليف الشحن ورسخ الاعتماد على البوليستر، أحد أكثر الألياف استخداماً في صناعة الملابس والمشتق أساساً من الوقود الأحفوري.

لكن ارتفاع أسعار النفط واضطراب إمدادات الطاقة عقب حرب إيران يضع هذا النموذج أمام اختبار صعب: فهل تقترب الملابس الرخيصة وسريعة الاستبدال من حقبة جديدة تعيد تعريف موقعها في سوق التجزئة؟

البوليستر.. خيط يربط الموضة السريعة بالنفط

يُعد البوليستر العمود الفقري للموضة السريعة، إذ يمثل 59% من إجمالي الألياف المنتجة عالمياً، بينما يعتمد 88% من إنتاجه على مصادر أحفورية، وفق منظمة “تكستايل إكستشينج”.

تقدم “شي إن” (Shein) مثالاً واضحاً على هذا الاعتماد، إذ يدخل البوليستر في 75.7% من منتجاتها، بحسب تحليل أجرته “رويترز” لتقرير الاستدامة الصادر عن الشركة لعام 2023.

ورغم اتجاه علامات تجارية مثل “زارا” و”إتش آند إم” إلى زيادة استخدام البوليستر المعاد تدويره، فإن هذا النوع لا يزال يمثل 12% فقط من إجمالي إنتاج البوليستر عالمياً، ما يترك الصناعة شديدة الارتباط بالمواد الخام النفطية.

إلى ذلك، تتركز معظم سلاسل إنتاج البوليستر في آسيا، حيث تلعب الصين دوراً محورياً في عملية الإنتاج والتوريد.

ومع ارتفاع أسعار النفط واضطراب الإمدادات، بدأت التكلفة ترتفع. فقد أفادت شركة “فيلاتكس” (Filatex)، إحدى أكبر منتجي خيوط البوليستر في الهند، بأنها باتت تدفع أسعاراً أعلى بنحو 30% للمواد الخام النفطية اللازمة للإنتاج، مع ارتفاع الأسعار لدى الموردين الصينيين وتعطل الإمدادات من الشرق الأوسط، بحسب “رويترز”.

من مصانع آسيا إلى خزانتك: الرحلة أصبحت أغلى 

لا تكمن أهمية النفط في صناعة الألياف فقط، بل أيضاً في عملية إيصال الملابس للمستهلكين، إذ يعد الشحن أحد الأعمدة التي قامت عليها الموضة السريعة.

أظهرت بيانات شركة “زينيتا” ((Xeneta) أن أسعار الشحن من آسيا إلى الولايات المتحدة ارتفعت 109% منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير، بينما زادت كلفة الشحن إلى أوروبا بأكثر من 50%، بفعل ارتفاع أسعار الوقود واضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز ومسارات الشحن المرتبطة به.

كما قفزت أسعار الشحن الجوي مع ارتفاع تكاليف وقود الطائرات واضطراب بعض المسارات الجوية، وهو ما يضغط بصورة خاصة على منصات التجارة الإلكترونية التي تعتمد على شحن طرود صغيرة منخفضة السعر مباشرة من المصانع في آسيا إلى المستهلكين حول العالم بأسرع وقت ممكن.

وربما بدأت آثار هذه الضغوط بالظهور بالفعل، إذ تراجعت صادرات التجارة الإلكترونية الصينية منخفضة التكلفة بنسبة 10.9% في أبريل، بحسب “رويترز”، في مؤشر يطال منصات مثل “شي إن” و”تيمو” و”علي إكسبريس”، التي بنت توسعها العالمي على سرعة الشحن وانخفاض الكلفة.

ونقلت الوكالة عن إحدى بائعات الملابس على منصة “تيمو” أنها رفعت أسعار منتجاتها بمقدار دولارين للقطعة بعدما ارتفعت تكلفة شحن كل قطعة بنحو دولار.

ولا يقتصر الضغط على المنصات الصينية. فقد حذرت شركة “نكست” البريطانية من أنها قد تضطر إلى رفع أسعار بعض الملابس بنسبة تتراوح بين 4% و10% بحلول سبتمبر إذا استمرت الحرب وارتفعت تكاليف الوقود والشحن والمواد الخام، فيما رأت “إتش آند إم” أن استمرار الصراع قد يزيد الضغوط على المستهلكين عبر ارتفاع أسعار الطاقة، بحسب “بلومبرغ”.

 في المقابل، أظهرت “إنديتكس” المالكة لعلامة “زارا”، قدرة على امتصاص الصدمة، إذ تسارع نمو مبيعاتها خلال مايو إلى 11.5%، مستفيدة من مرونة سلاسل إمدادها واتساع حضورها في أسواق رئيسية.

هل تعود الملابس لتدوم؟

تأتي صدمة النفط في وقت يواجه فيه قطاع الأزياء ضغوطاً متزايدة لإعادة النظر في نموذجه القائم على الإنتاج الكثيف والاستبدال السريع.

فمنذ مطلع الألفية، تضاعف إنتاج الملابس عالمياً، بينما تراجعت مدة استخدام القطعة الواحدة بنسبة 36%، وفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة. وأسهم هذا النموذج في إغراق العالم بنحو 92 مليون طن من النفايات النسيجية سنوياً، مع إضعاف سوق الملابس المستعملة بسبب تدني جودة كثير من القطع وصعوبة إعادة تدويرها.

وفي حين تعاملت صناعة الأزياء مع الاستدامة كأداة تسويقية، فإن ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام قد يجعلها اليوم ضرورة اقتصادية.

في هذا السياق، تبرز مبادرات تدعو إلى استبدال الألياف الصناعية المرتبطة بالوقود الأحفوري بألياف حيوية متجددة، فيما يدفع الاتحاد الأوروبي نحو جعل الملابس المباعة في أسواقه بحلول عام 2030 أكثر متانة وقابلية للإصلاح وإعادة التدوير.

كما يتزايد التركيز على إطالة عمر الملابس بدلاً من استبدالها سريعاً. وتشير تقديرات مؤسسة “برنامج العمل بشأن النفايات والموارد” (WRAP) البريطانية إلى أن إطالة عمر قطعة الملابس تسعة أشهر إضافية يمكن أن تخفض بصمتها البيئية من الكربون والمياه والنفايات بنسبة 20%.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل يقبل المستهلك دفع المزيد مقابل ملابس أفضل؟

 أظهر استطلاع أجرته “PwC” عام 2024 استعداد المستهلكين لدفع علاوة سعرية متوسطة تبلغ 9.7% مقابل المنتجات الأكثر استدامة، كما تشير أبحاث “ماكينزي” بأن المتسوقين باتوا يربطون قرار الشراء بصورة متزايدة بالجودة والمتانة والقيمة طويلة الأجل.

وإذا بقيت أسعار النفط والشحن عند مستويات مرتفعة، فقد لا يقتصر أثر الحرب على رفع أسعار الملابس، بل يمتد إلى تغيير طريقة شرائها أيضاً: من خزانات ممتلئة بقطع تُرتدى مرات قليلة، إلى عدد أقل من الملابس المصممة لتدوم لسنوات.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *