أخبار اقتصادية

من سائق شاحنة إلى رجل غيّر اقتصاد العالم.. قصة اختراع الحاويات

يتسم بوق السفينة بصوت قوي للغاية، ومع ذلك، ففي تمام الساعة 11:30 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في 30 أيار 2001، أطلقت جميع سفن الحاويات في العالم أبواقها في وقت واحد، توديعا وتكريما لسائق الشاحنات الأميركي مالكوم ماكلين.. فما القصة؟

تعود الحكاية لثلاثينيات القرن العشرين، حيث كانت ولاية كارولاينا الشمالية منتجاً رئيسياً للتبغ، وفي تلك الفترة بدأ ماكلين -وهو لا يزال في سن المراهقة- العمل كسائق شاحنة لنقل براميل التبغ، ومع مرور الوقت، نجح في تأسيس شركة نقل ناجحة.

آنذاك، كان قطاع الخدمات اللوجستية يخضع لرقابة صارمة، مع تحديد أسعار ثابتة لمسارات النقل المختلفة. 

ولتحقيق الأرباح، كان من الضروري خفض التكاليف، وهو أمر برع فيه ماكلين بشكل استثنائي.

وكان من الأمور التي يبحث عن حل لها، عملية تفريغ براميل الشاحنات باستمرار، ونقل محتوياتها إلى السفن، والعكس صحيح، وهي عملية كانت مكلفة ومرهقة.

وفي ظل هذه الظروف، بدأ ماكلين يتساءل عما إذا كان من الأفضل نقل الشاحنات نفسها عبر السفن لمسافات معينة. 

فكرة بدأت بالمقطورة

وكانت الفكرة الأولية تقوم على وضع المقطورة بأكملها على متن السفينة، لكنه سرعان ما استبعد هذا الخيار، لأن هيكل المقطورة وعجلاتها كانت تشغل حيزاً كبيراً جداً.

وبدلاً من ذلك، لجأ إلى وضع البضائع داخل حاويات، ثم رفع هذه الحاويات إلى متن السفينة. 

وهكذا، أصبح بالإمكان نقل الحاوية مباشرة من الشاحنة إلى السفينة، ثم نقلها مباشرة من السفينة إلى شاحنة أخرى عند الوصول.

فكان بذلك ماكلين، أول من اعتمد فكرة استخدام الحاويات “الكونتنر”، في شحن البضائع، والتي يقوم عليها الآن قطاع الشحن العالمي.

وفي 22 نيسان 1956، وأمام 100 من الشخصيات البارزة، حُمِّلت أول سفينة حاويات في العالم بـ 58 حاوية، وفي لحظة واحدة، انخفضت تكاليف النقل بشكل كبير.

ففي عام 1956، كانت تكلفة تحميل سفينة متوسطة الحجم ببضائع غير معبأة في حاويات تبلغ 5.86 دولار للطن الواحد، في حين أدى استخدام الحاويات إلى خفض هذه التكلفة لتصل إلى 16 سنتاً فقط، أي بنسبة انخفاض بلغت 97%.

رؤية ماكلين الثاقبة

والعبقرية في فكرة ماكلين، رغم أنه ليس من ابتكر حاوية الشحن، ولكنه ابتكر أسلوبا رائعا في استغلالها أفضل استغلال.

فقد كانت موجودة بالفعل بأشكال متنوعة حول العالم، لكن رؤيته توظيفها بهذا الشكل الثوري تمثلت في إدراكه أن جوهر عمل شركات الخدمات اللوجستية ليس تشغيل الشاحنات أو السفن، بل نقل البضائع. 

قد تبدو هذه حقيقة بديهية اليوم، إلا أن ماكلين كان سابقاً لعصره في تفكيره خلال خمسينيات القرن العشرين، وذلك وفقاً لما ذكره مارك ليفينسون في كتابه “الصندوق” (The Box).

ولم تقتصر رؤية ماكلين على سفن الحاويات فحسب، بل نظر إلى الصورة الأوسع، إذ تصور موانئ مجهزة بآليات تتيح عمليات تحميل وتفريغ تتسم بالكفاءة العالية عند التعامل مع الشاحنات والقطارات. 

وهذا يعني إمكانية تعبئة الحاوية وإغلاقها بإحكام في نقطة الانطلاق، ثم نقلها بشاحنة، وتحميلها على متن سفينة لتقطع آلاف الأميال، ثم نقلها إلى قطار لتقطع مئات الأميال الأخرى، تليها مرحلة نقل أخرى عبر شاحنة، لتصل في نهاية المطاف إلى أي وجهة في العالم خلال أسابيع قليلة، كل ذلك دون الحاجة إلى فتح الحاوية ولو لمرة واحدة.

عالم ما قبل الحاوية 

قبل اعتماد هذا النظام، كانت البضائع تُحمّل وتُفرّغ قطعة تلو الأخرى، صندوقاً تلو صندوق، أو كيساً تلو كيس، في عملية اتسمت بالبطء وانعدام الكفاءة.

وعلى الرغم من أن استخدام الحاويات في عمليات الشحن كان يمثل قفزة هائلة في خمسينيات القرن الماضي، فإنه كان لا يزال بطيئاً مقارنة بمعايير اليوم.

فعندما شاهد ضيوف “ماكلين” عملية التحميل عام 1956، استغرق تحميل حاوية واحدة 7 دقائق. 

أما في أكثر الموانئ كفاءة وسرعة في آسيا اليوم، فلا تستغرق العملية سوى 27 ثانية، مما يعني أنه يمكن الآن تحميل 15 حاوية في الوقت الذي كان يُستغرق سابقاً لتحميل حاوية واحدة فقط.

وكانت السفينة “إيديال إكس” (Ideal X) أول سفينة حاويات في العالم، وهي في الأصل ناقلة تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، قام “ماكلين” بتحويلها لتتمكن من حمل 58 حاوية. 

وفي المقابل، يمكن لأكبر سفن الحاويات اليوم استيعاب أكثر من 24 ألف حاوية.

نمو التجارة العالمية

وقبل ظهور نظام الحاويات، كانت تكلفة نقل البضائع باهظة للغاية، مما حدّ من نطاق التجارة الدولية. 

ومنذ خمسينيات القرن العشرين، شهدت هذه التجارة نمواً تجاوز أربعين ضعفاً؛ ويعود ذلك، إلى جانب عوامل أخرى، إلى دور الحاويات الذي كان جوهرياً. 

واليوم، تُنقل نحو نصف إجمالي تجارة السلع في العالم عبر سفن الحاويات.

نتائج هائلة ترتبت على الفكرة الثورية

وتتعدد تبعات تطبيق هذه الفكرة الثورية لدرجة يصعب حصرها هنا، لكن إحدى نتائجها كانت ظهور نظام “الإنتاج في الوقت المناسب” (just-in-time production). 

ونظام Just-in-Time Production هو أسلوب تصنيع يعتمد على توريد المواد الخام والمكونات عند الحاجة إليها فقط دون تخزينها مسبقًا، ما يجعل الشحن بالحاويات عنصرًا حاسمًا في وصول الإمدادات في مواعيد دقيقة ومنتظمة لتجنب تعطّل خطوط الإنتاج.

وقد مهد هذا الطريق لقصص نجاح شركات مثل “تويوتا” وغيرها من الشركات اليابانية، وهو ما أدى بدوره إلى إحداث تحول في قطاع التصنيع على مستوى العالم.

ولم تكن كل التبعات إيجابية، فعلى سبيل المثال، تُسهم حركة التجارة ونقل البضائع في انبعاثات غازات الدفيئة، ومع ذلك، ثمة أثر إيجابي بالغ الأهمية:

– تتركز أكبر حركة لشحن الحاويات بين شرق آسيا وأمريكا الشمالية، حيث أصبحت الصين مؤخراً هي الطرف المهيمن. 

وقد تولد الجزء الأكبر من الثروة في السنوات الأخيرة داخل منطقة شرق آسيا. 

ولولا حركة شحن الحاويات والطفرة في التجارة، لما أمكن انتشال أكثر من مليار نسمة من براثن الفقر المدقع على مدى العقود الثلاثة الماضية.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *