أخبار اقتصادية

مضيق يغلي.. سيناريوهات أسواق الطاقة ما بعد الحرب

يستعر التوتر عند أهم شريان للطاقة في العالم، مضيق هرمز، فيما تتسارع التطورات العسكرية منذ اندلاع الحرب الأميركية‑الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير. ومع تضارب المؤشرات بين تهدئة محتملة وتصعيد مفتوح، باتت الأسواق تسعر المخاطر قبل الوقائع، وسط انكماش شبه كامل في حركة الناقلات عبر المضيق، وتذبذب عنيف في أسعار النفط والغاز، وتخوف من صدمة طاقية جديدة ذات أبعاد عالمية.

مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الحرب “قد تنتهي قريباً” – قبل أن يعود ويحذر من ضربات “أقسى بكثير” إذا حاولت إيران تعطيل شحنات النفط – ارتفعت علاوة المخاطر في أسواق الطاقة بشكل غير مسبوق، بعد أن أكدت تقارير عدة أن مرور النفط عبر هرمز يتعرض فعلياً للشلل نتيجة الهجمات والاستهدافات المتبادلة.

وتشير تحليلات متعددة إلى هبوط كبير في حركة السفن، إذ انخفضت حركة المرور عبر المضيق بنسب تصل إلى 80% بحسب تقديرات معهد الطاقة الأميركي، في ظل تزايد الضربات على منشآت النفط والغاز في إيران والخليج، وتعليق عمليات الشحن لدى كبرى شركات الملاحة. وفي تقارير أخرى، جرى وصف الاضطرابات بأنها “أكبر صدمة إمدادات نفطية في التاريخ الحديث” نتيجة وقف مرور ما يصل إلى خمس نفط العالم.

ثلاثة سيناريوهات تحدد مستقبل المضيق وسوق الطاقة

استناداً إلى تحليل “فاينانشال تايمز” لكبير معلقيها الاقتصاديين مارتن وولف، وإلى تحديثات مراكز الأبحاث وبيوت الخبرة، تتقاطع التوقعات حول 3 مسارات محتملة لما بعد الحرب، تتدرج من صدمة مؤقتة إلى أزمة طويلة قد تمتد لسنوات.

السيناريو الأول: الصدمة الخاطفة (أسبوع إلى أسبوعين)

ترتبط هذه الفرضية بوقف العمليات العسكرية المباشرة دون تدمير بنيوي واسع. وتقدر الدراسات وصول تراجع الإمدادات النفطية العالمية إلى نحو 1.4%، مع هبوط مماثل في صادرات الغاز المسال، وفقاً لتوقعات “كابيتال إيكونوميكس”. هذه النسبة رغم محدوديتها تكفي لإحداث تقلبات سعرية فورية في السوق، خصوصاً مع ارتفاع علاوة التأمين على الناقلات وفرض مسارات التفافية مؤقتة.

وتؤكد بيانات من مراكز أبحاث الطاقة أن الأسواق في مثل هذه الحالات تميل إلى “تسعير الخطر لا الفاقد الفعلي”، وهو ما يفسر القفزات السعرية القصيرة التي تهدأ سريعاً مع عودة الملاحة.

وفي الأيام الأولى للحرب، ارتفعت أسعار النفط بوتيرة تجاوزت 7–9% قبل أن تتراجع لاحقاً مع تلميح واشنطن إلى قرب انتهاء العمليات.

ونتيجة لهذا السيناريو، فقد تشهد الأسواق اضطراب محدود، وتأثير تضخمي قصير، مع عودة تدريجية لحركة الشحن.

السيناريو الثاني.. حرب ممتدة بلا تدمير واسع

في هذا السيناريو، يتوقع تراجع أكبر في إمدادات النفط والغاز يتراوح بين 5% إلى 6% على أساس سنوي، مع استمرار الهجمات والضربات المتبادلة دون فقدان منشآت رئيسية بشكل دائم.

وتقدر تقارير دولية أن حركة السفن توقفت أو تباطأت بشكل حاد، حيث أكد تحليل لمركز “IER” الأميركي أن حركة الشحن عبر المضيق تراجعت بأكثر من 80% بعد أيام فقط من الضربات الأولى. كما تشير بيانات أخرى إلى أن المنطقة شهدت تعليق عمليات الإنتاج في عدد من الحقول الخليجية نتيجة امتلاء الخزانات مع تعذر التصدير.

وتعد الدول الآسيوية الأكثر عرضة لهذا السيناريو، إذ تعتمد على واردات تتجاوز 80% من احتياجاتها النفطية عبر المضيق، ما قد يدفعها لخطوات طارئة تشمل السحب من المخزونات الاستراتيجية أو خفض الطلب، وفقاً لتقديرات “بلومبرغ”.

وبحسب “كابيتال إيكونوميكس” فقد تتأثر الأسواق العالمية نتيجة هذا السيناريو لنحو 3 أشهر، مع ارتفاع علاوة المخاطر، وانتقال موجات متلاحقة من الضغوط التضخمية في أوروبا وآسيا، ما سيؤدي إلى تباطؤ في النمو العالمي.

سيناريو “الندبة العميقة”.. عام كامل للإصلاح

يمثل هذا السيناريو الاحتمال الأكثر خطورة: تدمير منشآت تصدير رئيسية – مثل جزيرة خرج الإيرانية – ما يؤدي إلى فقدان 8% إلى 9% من الإمدادات العالمية للنفط والغاز، ويدفع الأسعار إلى مستويات قياسية قد تصل إلى 150 دولاراً للبرميل، بحسب تقديرات “كابيتال إيكونوميكس”. وقد حذرت تقارير من أن “التعطل شبه الكامل” لمرور النفط عبر هرمز قد يكون نقطة تحول للاقتصاد العالمي، مع تأثيرات تمتد إلى المعادن، والشحن، والزراعة، وسلاسل التوريد الصناعية، بحسب شبكة “CNBC”.

ووفق تحليلات الأسواق العالمية، فإن هذه الصدمة ستكون مقاربة من حيث الحجم لأزمات السبعينيات، لكن قدرتها على توليد تضخم مستدام أقل بسبب انخفاض كثافة استهلاك النفط في الاقتصادات الحديثة، وتحسن أدوات البنوك المركزية. ومع ذلك، ستواجه الدول النامية ضغوطاً خانقة على العملة وكلفة التمويل.

لكن الأسوأ في هذا السيناريو، هو صدمة طاقة ممتدة، ومخاطر ركود تضخمي، وتحول هيكلي في أسواق الطاقة.

ما بعد إغلاق المضيق.. خيارات الالتفاف وحدودها

على الرغم من وجود خطوط أنابيب بديلة، مثل خط شرق‑غرب السعودي وخطوط الإمارات إلى الفجيرة، فإن البدائل الحالية لا يمكنها تعويض أكثر من جزء محدود من الطاقة اليومية العابرة لهرمز، والتي تزيد عن 20 مليون برميل من النفط، إضافة إلى أكثر من خمس صادرات الغاز المسال.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 150 ناقلة عالقة خارج المضيق منذ أوائل مارس بسبب تعذر المرور الآمن، ما يهدد بإطالة زمن الشحن وارتفاع تكاليف التأمين والشحن عالمياً.

انعكاسات اقتصادية عالمية.. من التضخم إلى الأمن الطاقي

سجلت أسعار النفط ارتفاعاً تجاوز 25% خلال أيام، فيما قفزت أسعار الوقود للمستهلكين حول العالم، وأظهرت الأسواق حساسية مضاعفة لأي تصريحات سياسية أو تهديدات جديدة. وفي إفريقيا، بدأت الصدمة تنعكس سريعاً على أسعار الوقود والعملات المحلية، مما يضع الاقتصادات الهشة في موقف أكثر صعوبة، كما بدأت بعض دول آسيا دراسة اتخاذ قرارات بشأن مدة أسبوع العمل وخيارات العمل من المنزل بشكل إجباري لتقليل كثافة الحركة على الطرق وخفض فاتورة دعم أسعار المحروقات.

ويحذر خبراء التجارة العالمية من أن الإغلاق الممتد للمضيق لا يهدد سوق الطاقة فقط، بل يمتد تأثيره إلى الإمدادات الزراعية والمعادن والسلع الصناعية، ما يجعله نقطة تحول للاقتصاد العالمي بأكمله.

مهما كانت نتائج الحرب الحالية، يبدو أن مضيق هرمز دخل مرحلة “المخاطر الدائمة”؛ فالعالم يواجه الآن اختباراً حقيقياً لمفهوم أمن الطاقة، ومعه الحاجة الملحة لتنويع مصادر الإمداد، وتعزيز المخزونات، وتطوير بنى تحتية بديلة بعيداً عن عنق الزجاجة الأكثر حساسية على الكوكب.

وبحسب المؤشرات، سيظل المضيق ما بعد الحرب أحد أبرز مصادر عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، ما يجعل “السيناريو الثالث” الأكثر كلفة رغم كونه الأقل احتمالاً والأكثر حضوراً في تسعير الأسواق.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *