أخبار اقتصادية

‏لبنان والأزمة المصرفية: العودة إلى القانون قبل البحث عن قوانين جديدة

في خضم النقاش الدائر حول إعادة هيكلة القطاع المصرفي، يبدو أن التركيز ينصبّ بصورة متزايدة على مشاريع قوانين جديدة، فيما يغيب سؤال أكثر جوهرية: هل استُنفدت أصلاً الأدوات القانونية والتنظيمية القائمة؟
إن أولى مسؤوليات حاكم مصرف لبنان تتمثل في التمسك الصارم بأحكام قانون النقد والتسليف، وقانون الموجبات والعقود، والتعاميم الصادرة عن مصرف لبنان، ولا سيما التعميم الأساسي رقم 154، وإلزام المصارف بالامتثال الكامل لمتطلباتها القانونية والتنظيمية والمهنية. فدولة القانون لا تبدأ بإنتاج المزيد من القوانين، بل بتطبيق القوانين النافذة.
من هذا المنطلق، قد يكون المدخل الأكثر واقعية لإنقاذ ما تبقى من القطاع المصرفي وإعادة الانتظام إلى عمله هو فرض الامتثال والشفافية والتصحيح وفق الأطر القانونية القائمة، قبل الانتقال إلى أي تشريعات إضافية. فالقطاع لا يعاني فقط من نقص في النصوص القانونية، بل من أزمة ثقة مرتبطة بمدى احترام تلك النصوص وتطبيقها.
وفي ظل الانهيار الاقتصادي والمالي المستمر، قد تكون الأولوية اليوم للإنقاذ والحد من الخسائر واستعادة الحد الأدنى من الثقة والاستقرار، أكثر منها لفتح معارك سياسية وقضائية طويلة حول المساءلة والمحاسبة، على أهميتها وضرورتها في مرحلة لاحقة. فالإنقاذ وإعادة الانتظام لا يعنيان إلغاء المحاسبة، بل ترتيب الأولويات بما يمنع انهيار ما تبقى من المؤسسات.
كما أن الجدل القائم حول توصيف الأزمة وتصنيفها، أهي أزمة سيولة أم ملاءة أم حوكمة أم أزمة سيادية أم أزمة نظامية، لا يجب أن يتحول إلى وسيلة للابتعاد عن جوهر المشكلة. فالتوصيف الخاطئ يقود إلى علاج خاطئ، أما التوصيف الذي يُستخدم لتبرير نقل الخسائر أو إعادة توزيعها أو الالتفاف على الحقوق والالتزامات القانونية، فإنه يتحول من أداة تشخيص إلى أداة تضليل.
لذلك، فإن نقطة الانطلاق يجب أن تبقى واضحة: تطبيق القانون أولاً، فرض الامتثال ثانياً، استعادة الثقة ثالثاً، ثم الانتقال إلى الإصلاحات التشريعية المطلوبة. أما القفز فوق القوانين النافذة بحجة الحاجة إلى قوانين جديدة، فقد يؤدي إلى تعقيد الأزمة بدلاً من معالجتها. ففي كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في غياب القانون، بل في غياب الإرادة لتطبيقه.
محمد فحيلي

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *