أخبار اقتصادية

قطاع مصرفي سليم …. هدف مالي وشرط لعودة الاقتصاد

ناجي الخوري

من السهل اختزال الأزمة المصرفية في لبنان بأرقام الخسائر والودائع المحتجزة ورساميل المصارف. لكن هذه المقاربة، على أهميتها، تحجب جوهر المشكلة. فالاقتصاد اللبناني لا يعاني اليوم من نقص في السيولة فحسب، بل من غياب المؤسسة التي تحول المدخرات إلى استثمارات، وتمول الشركات، وتسمح للدورة الاقتصادية بأن تستعيد إيقاعها. لذلك، فإن إعادة بناء قطاع مصرفي سليم لم تعد بنداً ضمن برنامج الإصلاح، بل أصبحت المدخل الفعلي لإعادة تشغيل الاقتصاد.

منذ عام 2019، تغيرت طبيعة السوق اللبنانية بصورة عميقة. خرجت المصارف عملياً من دورها التقليدي، فاختفى الائتمان تقريباً، وتراجعت القروض الاستثمارية إلى مستويات هامشية، بينما تكيف القطاع الخاص مع واقع جديد يقوم على التمويل الذاتي أو على السيولة القادمة من الخارج. نموذج سمح لبعض المؤسسات بالاستمرار، لكنه لم يكن قادراً على إنتاج نمو مستدام، ولا على خلق دورة اقتصادية متكاملة.

النتيجة واضحة في معظم المؤشرات. شركات تؤجل توسعاتها، مستثمرون يفضلون الانتظار، مؤسسات صغيرة تجد نفسها أمام كلفة تمويل مرتفعة أو منعدمة. حتى القطاعات التي سجلت انتعاشاً نسبياً، بقي نشاطها مرتبطاً بعوامل موسمية أو بتحويلات المغتربين، لا بمنظومة مصرفية تمول الإنتاج والاستثمار.

من هنا، يكتسب الحديث عن “قطاع مصرفي سليم” بعداً مختلفاً. فالمطلوب ليس إعادة إحياء النموذج الذي انهار، بل تأسيس قطاع جديد، أقل حجماً وأكثر متانة، يقوم على رساميل حقيقية، وحوكمة صارمة، وقدرة فعلية على إدارة المخاطر. فالعبرة ليست في عدد المصارف، بل في قدرتها على استعادة الوظيفة التي فقدتها: الوساطة بين المدخر والمستثمر.

غير أن الوصول إلى هذه المرحلة ليس قراراً تقنياً. فهو يفرض إعادة رسم العلاقة بين الدولة والقطاع المالي، وبين مصرف لبنان والمصارف التجارية، وبين المودعين والمساهمين. وهذه معادلة معقدة لأن كل خطوة تحمل كلفة سياسية ومالية واجتماعية، وهو ما يفسر بطء مسار الإصلاح رغم الإجماع النظري على ضرورته.

في المقابل، لا تبدو الأسواق الخارجية مستعدة لمنح لبنان مزيداً من الوقت. فالمؤسسات المالية الدولية تنظر إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي بوصفها اختباراً لصدقية الإصلاحات. ليس لأنها تريد تقليص عدد المصارف أو فرض نموذج بعينه، بل لأنها تعتبر أن أي اقتصاد لا يملك نظاماً مصرفياً موثوقاً لن يكون قادراً على جذب الرساميل أو استعادة الاستثمار طويل الأجل.

هنا تكمن المفارقة. فالاقتصاد اللبناني أظهر خلال السنوات الأخيرة قدرة لافتة على التكيف، لكنه لم يظهر بعد قدرة مماثلة على التعافي. هناك فرق بين اقتصاد يتأقلم مع الأزمة واقتصاد يخرج منها، الأول يعتمد على المبادرات الفردية والتحويلات الخارجية والاقتصاد النقدي، أما الثاني، فيحتاج إلى مؤسسات تمول النمو وتوزع المخاطر وتوفر أدوات الاستثمار. وهذه هي الوظيفة التي يفترض أن يؤديها القطاع المصرفي.

إلا أن إعادة البناء لن تكون مجرد عملية دمج أو تصفية لمصارف متعثرة. فالتحدي الحقيقي يكمن في استعادة الثقة، وهي عنصر لا يصدر بقانون ولا يفرض بقرار إداري. ثقة تتشكل عندما يقتنع المودع بأن أمواله محمية، ويقتنع المستثمر بأن النظام المالي مستقر، وتقتنع الشركات بأن التمويل سيصبح متاحاً وفق قواعد واضحة لا استثناءات فيها.

في الوقت نفسه، سيكون من الخطأ الاعتقاد أن القطاع المصرفي وحده قادر على إنقاذ الاقتصاد. فمصارف قوية في اقتصاد ضعيف لن تنتج نمواً، كما أن اقتصاداً يفتقر إلى الإصلاحات المالية والقضائية والإدارية لن يكون بيئة جاذبة للاستثمار مهما تحسنت أوضاع المصارف. لذلك، فإن إعادة الهيكلة المصرفية يجب أن تتزامن مع إصلاحات أوسع تعيد تعريف دور الدولة، وتعزز استقلالية القضاء، وتحسن بيئة الأعمال.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاقتصاد اللبناني يستطيع البقاء على قيد الحياة، لكنها لم تثبت أنه قادر على استعادة ديناميته. فارق هو ما يجعل ملف القطاع المصرفي يتجاوز حدوده المالية الضيقة. فالمسألة لم تعد تتعلق بمؤسسات فقدت رساميلها، بل باقتصاد فقد قناة التمويل التي يحتاجها لينمو.

لهذا، فإن نجاح لبنان لن يقاس بعدد القوانين التي يقرها، ولا بعدد المصارف التي ستبقى في السوق، بل بقدرته على إعادة بناء الثقة بين المال والإنتاج. فعندما يعود الائتمان إلى تمويل الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والسياحة، وعندما تصبح المصارف شريكاً في النمو بدلاً من أن تكون جزءاً من الأزمة، يمكن عندها القول إن التعافي بدأ فعلاً، لا أنه مجرد توقع في تقارير المؤسسات الدولية أو هدف مؤجل في الخطط الحكومية.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *