أخبار اقتصادية

رحلة قطعة كرواسون بالشوكولاتة تكشف أثر حرب إيران على أسعار الغذاء

تصنع شركة “كابيتال كرواسون” (Capital Croissant) نحو 10 آلاف قطعة معجنات أسبوعياً في مخبزها بمنطقة إيلينغ غرب لندن، حيث تزوّد فنادق فاخرة ومقاهي في أنحاء العاصمة البريطانية بمنتجات مجمّدة من الكرواسون وباتيه الشوكولاتة “بان أو شوكولا”.

أسّس فرانسوا بونفوا الشركة في نوفمبر الماضي، وهو يصف نفسه بأنه “المالك والشريك المؤسس، وأيضاً سائق التوصيل ومسؤول التعبئة… كل شيء”.

ومن شأن تتبّع مراحل إنتاج معجنات “الفيينوازري” التي يعدّها بونفوا أن يعطي لمحة عن كيفية ارتفاع أسعار الغذاء نتيجة الحرب في الشرق الأوسط. إذ يقع المخبز عند نهاية سلسلة إمداد دولية تعرّضت لضغوط هائلة خلال الأشهر القليلة الماضية.

فالهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران في أواخر فبراير، وما أعقبه من إغلاق لمضيق هرمز، أحدث هزة في الاقتصاد العالمي، متسبباً بارتفاع أسعار الوقود والطاقة والأسمدة ومجموعة واسعة من المنتجات الزراعية والصناعية.

ورغم توصّل الولايات المتحدة وإيران الآن إلى اتفاق مؤقت يُنتظر أن يتيح إعادة فتح المضيق، فإن آثار الاضطرابات لا تزال تمتد عبر سلاسل الإمداد الغذائية، ما يضيف تكاليف جديدة وتعقيدات على كافة المستويات، ويفاقم الضغوط على المستهلكين الذين يرزحون أصلاً تحت وطأة سنوات من التضخم.

قال بونفوا “لم نكن نتوقع ارتفاع تكاليف الطاقة وما جرّته الحرب من تداعيات أوسع… جميع عملائنا يعانون أيضاً”.

المزارعون

في مدينة أورليان، عند الطرف الشرقي لمنطقة بوس، في السهل الزراعي الخصب المعروف بـ”سلة خبز فرنسا”، يدير إريك دولورم، وهو مزارع من الجيل السادس، نحو 200 هكتار من الأراضي الزراعية.

تغذي محاصيله تعاونيات محلية، تبيع بدورها تلك المحاصيل إلى مطاحن “مولان فيرون” (Moulins Viron) التي تزوّد الخبازين في أنحاء أوروبا بالدقيق.

يستعد دولورم لموسم يبدو أقل سخاءً هذا العام. فالقمح من المحاصيل المستهلكة بشدة للنيتروجين، إذ يعتمد المزارعون على الأسمدة ليس فقط لزيادة الغلة، بل أيضاً لتحسين جودة المحصول. وتُعدّ منطقة الخليج العربي من أكبر منتجي الأسمدة النيتروجينية، فقبل الحرب، كان نحو ثلث تجارة هذه الأسمدة عالمياً يمرّ عبر مضيق هرمز.

ارتفعت الأسعار بشكل حاد، فيما هرع المزارعون لتأمين احتياجاتهم من الإمدادات. وتتوقع وزارة الزراعة الفرنسية تراجع المساحات المزروعة بالذرة بنسبة 19% على أساس سنوي.

قال دولورم إن هذه التطورات “ستفرض علي تغيير استراتيجيتي الإنتاجية ونظام تناوب المحاصيل”. فمزرعته ستنتج هذا العام نحو 120 طناً أقل من القمح والذرة مقارنة بالمستويات المعتادة، ما سيكبده خسارة إيرادات تقارب 80 ألف يورو (92.9 ألف دولار).

زد على ذلك، تستهلك مزرعة دولورم نحو 48 ألف لتر سنوياً من الديزل المستخدم في المعدات الزراعية، حيث قفز سعر اللتر من 0.70 يورو قبل الحرب إلى 1.20 يورو حالياً، ما يزيد نفقاته السنوية بنحو 25 ألف يورو.

وبحلول التوصل إلى الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، كانت أكثر من 40 سفينة محمّلة بالأسمدة لا تزال عالقة في الخليج العربي، بحسب بيانات تتبّع الناقلات التي جمعتها “بلومبرغ” و”كبلر” (Kpler).

كما هبطت كميات الأسمدة العابرة لمضيق هرمز من نحو 600 ألف طن أسبوعياً في أواخر فبراير إلى 60 ألف طن فقط مطلع حزيران.

الألبان

يدير جوني كريكمر، وهو مزارع من الجيل الثالث في وادي ويفني بمقاطعة سوفولك، مزرعة أبقار تملكها عائلته على الساحل الشرقي لإنجلترا منذ 80 عاماً. وهو ينتج اليوم الجبن والكفير والزبدة، وغيرها من منتجات الألبان.

يصف كريكمر تأثير الأزمة الأخيرة قائلاً “إيران كانت أشبه بالصفعة، أليس كذلك؟… واجهنا 10 سنوات من التغيّرات والضبابية، من بريكست إلى كوفيد، ثم أوكرانيا، والآن إيران. وفي كل مرة يحدث فيها هذا التحول، نجد أنفسنا مضطرين للبدء من جديد”.

تواجه أسواق الألبان الأوروبية تحدياً متزايداً نتيجة فائض المعروض، بعدما دفعت موجة الأسعار المرتفعة خلال السنوات الماضية عديد من المنتجين إلى توسيع قطعانهم وزيادة الإنتاج.

إلى ذلك، فإن صناعة الزبدة مهمّة أكثر تعقيداً مما يعتقده كثير من المستهلكين. إذ يقدّر كريكمر أن يكون إنتاج كيلوغرام واحد من الزبدة يتطلب نحو 18 لتراً من الحليب، كما أن كل مرحلة من مراحل التصنيع تحتاج إلى معدات متخصصة وباهظة الثمن. مثلاً، بلغت تكلفة جهاز فصل القشدة المصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ في المزرعة وحده نحو 70 ألف جنيه إسترليني.

يقول كريكمر “هناك سلسلة طويلة ومعقدة من الخطوات تبدأ من العشب الذي ينمو في الحقل، إلى تربية المواشي التي تتغذى عليه، وبعدها تأتي عملية الحلب، قبل أن يمر الحليب بعناية ونظافة عبر شبكة من الأنابيب والخزانات وأجهزة فصل القشدة ومخاضات الزبدة وآلات التشكيل، وصولاً إلى فرق العمل التي تتولى التغليف والتعبئة”.

ورغم تراجع أسعار الأسمدة والحبوب، وهما من أبرز مدخلات الإنتاج الزراعي، إلى مستويات قريبة من تلك التي سبقت اندلاع الصراع، فإن الشكوك لا تزال تخيّم على موسم الحصاد المقبل. فارتفاع تكاليف الطاقة والاضطرابات في أسواق السلع العالمية قد يؤثران في القرارات المتعلقة بالزراعة وإنتاجية المحاصيل، ما ينعكس في نهاية المطاف على أسعار الأعلاف.

بالنسبة لمزارعين مثل كريكمر، يعني ذلك أن ارتفاع التكلفة يبدأ قبل وقت طويل من وصول الحليب إلى مرحلة تصنيع الزبدة أو استخدامه لإعداد قطعة كرواسون.

سجلت أسعار الأسمدة تراجعاً كبيراً منذ بلوغها ذروتها في منتصف أبريل، عندما قفز سعر اليوريا الحبيبية، أحد أهم الأسمدة النيتروجينية، إلى أعلى مستوى له منذ عام 2022.

ومنذ ذلك الحين، انخفضت الأسعار بنحو 45% لتعود إلى مستويات قريبة من تلك التي سبقت الحرب، غير أن تلك القفزة السعرية كانت تزامنت مع موسم الزراعة الربيعي.

المطاحن

في مدينة شارتر، جنوب غربي باريس، تعمل عائلة فيرون في مهنة إنتاج الدقيق الفرنسي منذ ستة أجيال. واليوم، تصدّر شركة “مولان فيرون” (Moulins Viron) منتجاتها إلى مختلف أرجاء العالم، بما في ذلك المملكة المتحدة، حيث تزوّد شركة فرانسوا بونفوا، “كابيتال كرواسون”، بالدقيق.

يقول ألكسندر فيرون، رئيس الشركة “في قطاع الحبوب والدقيق، الطاقة هي التحدي الأكبر”. لقد ارتفعت فواتير الطاقة لدى الشركة بنحو 20% بين يناير ومايو، ما أضاف نحو 20 ألف يورو إلى التكاليف الشهرية.

كان من المفترض أن تحظى الشركة بقدر من الحماية من ارتفاع أسعار الديزل، نظراً لاعتماد شاحناتها على وقود حيوي مُستخرج من الزيوت النباتية. لكن بحسب فيرون “سعر هذا الوقود مرتبط بسعر الديزل، لذلك لا يمكننا الإفلات من تحركات الأسعار”.

النقل مصدر قلق آخر، إذ انعكست زيادة أسعار الوقود على أجور الشحن، ما جعل الوصول إلى بعض الأسواق أكثر صعوبة.

ويستشهد فيرون بشحن الدقيق إلى جدة، حيث كانت تكلفة استئجار حاوية تبلغ نحو ألفي دولار في عام 2025، قبل أن تقفز اليوم إلى خمسة آلاف دولار.

يقول غيوم ماسون، مدير مبيعات التصدير في شركة “مولان فيرون”: “لهذا الأمر تأثير مباشر على أعمالنا حول العالم… عملاؤنا من الخبازين قد يضطرون إلى تقليص مشترياتهم، أو حتى الانتقال إلى أنواع دقيق محلية أقل كلفة”.

وأضاف “الأمر يبعث على القلق الشديد، لأن الوضع لن يتغير ما دامت تكاليف الشحن عند هذه المستويات المرتفعة”.

ارتفعت أسعار شحن البضائع السائبة الجافة بنسبة 22% منذ اندلاع الحرب، بحسب بيانات مؤشر “البورصة البلطيقية للشحن الجاف” (Baltic Exchange Dry Index). ورغم تراجعها عن المستويات القياسية التي سجلتها في أواخر مايو، فإنها لا تزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل الصراع.

مصانع الشوكولاته

تستورد شركة “إكسوكو” (Xoco) حبوب الكاكاو من نحو مليون شجرة في نيكاراغوا وهندوراس، وتزوّد المخابز والمقاهي بالشوكولاتة، خصوصاً في فرنسا والمملكة المتحدة، ومن بينها شركة “كابيتال كرواسون”.

ورغم أن الشركة لم تواجه حتى الآن اضطرابات كبيرة جراء الحرب في الشرق الأوسط، فإنها بدأت تستشعر بأولى الارتدادات على أعمالها.

تعتمد “إكسوكو” على مادة معادلة تُستخدم لضبط مستوى حموضة المياه المخصصة لري المحاصيل، ما يساعد على تحسين الغلة. غير أن هذه المادة، مثل العديد من الأسمدة الزراعية، تُصنع من النيتروجين، والحرب بالشرق الأوسط زادت من أسعارها.

يقول فرانك هومان الذي أسس الشركة قبل نحو عقدين إنه بات من الأصعب الحصول على هذا النوع من السماد “فهو ليس بالضرورة أغلى ثمناً، لكنه أقل توافراً”، مشيراً إلى أن ذلك قد يؤثر في إنتاجية المحاصيل.

كما بدأت تكاليف النقل بالارتفاع. ورغم أنها لم تصل بعد إلى مستويات مقلقة، فإن الشركة تتابعها عن كثب. إذ ارتفعت تكلفة الشحن من نحو 25 سنتاً للكيلوغرام قبل الحرب إلى 30 سنتاً حالياً.

سجلت أسعار الكاكاو تراجعاً حاداً خلال العام الماضي، بعدما هبطت من مستويات قاربت 13 ألف دولار للطن في عام 2024 إلى نحو 4200 دولار حالياً. ورغم أن هذا الانخفاض يمنح متنفساً لشركات الشوكولاتة والمشترين بعد فترة من الأسعار القياسية، فإنه يزيد الضغوط على المصدرين الذين يواجهون معادلة صعبة بين تراجع الأسعار بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المدخلات والإنتاج.

الشاحنات

تشغّل شركة “جي إكس أو لوجيستكس” (GXO Logistics) سلاسل الإمداد، وهي تتخصص في التخزين والنقل البري وإدارة تنفيذ الطلبات، وتخدم شبكة واسعة من عملاء قطاعي الأغذية والبقالة في المملكة المتحدة.

عالمياً، تدير الشركة أكثر من 200 مليون قدم مربعة من المستودعات، إلى جانب أسطول كبير مخصص لعمليات النقل لمسافات طويلة.

ويُعدّ قطاع الشاحنات من أكثر القطاعات تعرضاً لتقلبات أسعار الوقود، نظراً لاعتماد عملياته اليومية على قطع مئات الأميال. وبعد اندلاع الصراع في إيران، أدى ارتفاع أسعار الديزل بنحو 30% إلى زيادة سريعة في تكاليف نقل السلع من المستودعات إلى منافذ البيع.

كما تواجه شركات الخدمات اللوجستية ارتفاعاً في تكاليف النقل على مستوى القطاع، سواء عبر زيادة أجور الشحن البري أو ارتفاع التكاليف التي تتقاضاها شركات النقل المتعاقدة معها.

يقول مارتن أتكينسون، المدير الإداري لقطاع البقالة في المملكة المتحدة لدى “جي إكس أو لوجيستكس” إنه لاحظ أن كثيراً من العملاء يبحثون حالياً عن طرق لخفض التكاليف عبر سلسلة الإمداد، من خلال طلب كمية أقل من المنتجات وفترات تسليم أطول.

ويضيف: “تسارع الشركات إلى معالجة التكاليف والتعقيدات داخل سلاسل الإمداد، مع استمرار التقلبات وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف اليد العاملة”.

قفزت أسعار عقود الشحن البري في أوروبا إلى 140.1 نقطة خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة تقارب 9 نقاط عن مستواها قبل عام، وفقاً للاتحاد الدولي للنقل البري. وكان الارتفاع الحاد في أسعار الوقود المحرك الرئيسي لهذا الصعود.

المخابز

تخبز “كابيتال كرواسون” معجناتها قبل إخضاعها لعملية تجميد سريع باستخدام مجمّد صناعي يخفّض درجة حرارة المنتج من 24 درجة مئوية إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر. كما تُحافِظ على درجة حرارة ثابتة تبلغ 14 درجة مئوية في جميع أنحاء المنشأة لضمان بقاء الزبدة باردة أثناء التصنيع.

يقول بونفوا “التحكم في درجة الحرارة أمر أساسي. وفي الصيف نحتاج إلى قدر كبير من التكييف”.

لذلك، تُعدّ تكاليف الطاقة من أكبر هواجس الشركة. وكما حدث مع مورديها، اضطرت المخابز أيضاً إلى استيعاب ارتفاع تكاليف التوصيل. وهناك كذلك نفقات أخرى مخفية، قد لا تخطر في بال العملاء حين يطّلعون على أسعار الفطور لدى المخبز.

يقول بونفوا “شركة جمع النفايات التي أتعامل معها فرضت رسماً إضافياً بنسبة 3% بسبب الوقود…أدفع نحو ألف جنيه إسترليني شهرياً للتخلص من النفايات”.

كذلك، ارتفعت تكاليف اليد العاملة بفعل عدد من العوامل، من بينها الزيادة المستمرة في تكاليف المعيشة في المملكة المتحدة، ما فاقم من الضغوط التي تواجهها المخابز.

في مخبز “ليتل بريد بيدلار” (Little Bread Pedlar) الحرفي، الواقع تحت أقواس السكك الحديدية في منطقة برموندسي جنوب لندن، يقول نائب المدير أندرو أفيلينغ إن تراكم الزيادات في التكلفة بدأ يثقل كاهل القطاع.

ويضيف “ضريبة القيمة المضافة، والحد الأدنى للأجور، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد… كل شيء أصبح أكثر كلفة”.

كما يشير إلى إنه واجه تحديات لم يكن يتوقعها، من بينها مشكلة قد يفاقمها الصراع. فقد ارتفعت تكاليف مواد التغليف عالمياً نتيجة زيادة أسعار الطاقة واضطراب إمدادات بعض المواد الأساسية الداخلة في صناعة البلاستيك، بما في ذلك النفثا التي يأتي نحو ثلث إنتاجها من الشرق الأوسط، بحسب “رابوبنك” (Rabobank).

ويضيف “هناك سوق سوداء لصواني البلاستيك. لقد سُرق منا عدد كبير منها واضطررنا إلى استخدام صناديق الكرتون، لكنها مرتفعة الكلفة. بعض الخبازين القدامى يعتبرون ذلك نوعاً من البذخ، لكن عندما لا تتوافر لدينا صوانٍ كافية لا يبقى أمامنا خيار آخر. وفي كل مرة ندفع ما يقارب ألف جنيه إسترليني للحصول على منصة تحميل واحدة منها”.

أظهر تقرير صادر في مايو عن اتحاد الأغذية والمشروبات أن 82% من شركات الأغذية والمشروبات في المملكة المتحدة تتوقع رفع أسعارها نتيجة تداعيات حرب إيران. كما رجّح نحو ثلث الشركات خفض أعداد العاملين لديها، بينما توقعت أكثر من ربعها تأجيل أو إلغاء استثمارات كانت مقررة.

التوصيل إلى الوجهة النهائية

بعد أسبوعين فقط من اندلاع الحرب، أخطرت شركة “شيبر” (Shippr)، المتخصصة في الخدمات اللوجستية ومقرها بلجيكا، عملاءها بفرض رسوم إضافية على عمليات التسليم بسبب ارتفاع أسعار الوقود.

تنشط الشركة في مختلف أنحاء أوروبا عبر شبكة تضم نحو 3000 ساعٍ، يتولون نقل المنتجات الغذائية من المنتجين، ومن بينهم مخبز “ليتل بريد بيدلار”، إلى العملاء باستخدام السيارات والمركبات المبرّدة والدراجات.

أدى إغلاق مضيق هرمز إلى قفزة في أسعار الوقود بلغت نحو 30% في الأسواق الرئيسية التي تعمل فيها الشركة، ما دفعها إلى تحميل جزء من هذه الزيادة للعملاء.

وبالنسبة إلى العملاء في المملكة المتحدة، تعني الرسوم الجديدة ارتفاع تكلفة الخدمة بنحو 8% إلى 9%.

بقول رومان سيد، الشريك المؤسس لشركة “شيبر”: “نحن معرضون بدرجة كبيرة لتقلبات أسعار الوقود على المدى القصير”. ويضيف “نفضّل فرض رسوم وقود إضافية واضحة ومؤقتة تعكس تطورات السوق، بدلاً من الوقوف مكتوفي الأيدي ومشاهدة جودة الخدمة تتراجع”.

وأكدت الشركة لعملائها أن هذه الرسوم مؤقتة وستُرفع فور عودة أسعار الوقود إلى مستوياتها الطبيعية. إلا أن سيد لا يتوقع حدوث ذلك قبل نهاية عام 2026. كما يبدي قلقه من أن تؤدي التكاليف الإضافية التي يتحملها العملاء إلى إبطاء وتيرة إبرام العقود الجديدة.

ويقول “ما أخشاه هو أن يتباطأ الاقتصاد مجدداً كما حدث بعد حرب أوكرانيا. وذلك كابوس لأي شركة”.

ارتفع سعر النفثا، وهي مادة بتروكيماوية أساسية في صناعة البلاستيك، بنحو 30% منذ اندلاع الحرب، لكن تأثير ذلك لم يقتصر على العبوات البلاستيكية المستخدمة في تغليف الأغذية.

فدول الخليج تنتج ما بين 8% و9% من الألمنيوم الأولي عالمياً، وهو مكوّن مستخدم  في صناعة عبوات المشروبات وأنواع متعددة من مواد التغليف. كما تعتمد صناعة الكرتون بشكل كبير على الطاقة والمواد الكيميائية، فيما تُعدّ صناعة الزجاج شديدة الحساسية لتقلبات أسعار الغاز.

المقاهي

يقع مقهى “هومستيد كافيه” (Homestead Cafe) في مبنى إسطبل تاريخي يعود إلى الحقبة الجورجية داخل متنزه بيكنهام بليس في لندن، ويشتري المعجنات من “كابيتال كرواسون”.

ورغم أن أعمال المقهى تنمو بشكل جيد، يقول مؤسسه لوين تشوكلي إنه يراقب بقلق الضغوط المتزايدة على التكاليف.

وبعد أن اختبر انهيار مشروع ناجح كان يديره في أعقاب جائحة كوفيد-19، بات تشوكلي مدركاً لتأثير الأزمات العالمية.

ويقول “أصبحت الأحداث العالمية تبدو أقرب إلينا”.

يبيع المقهى نحو 400 قطعة كرواسون أسبوعياً. قبل ثلاث سنوات، كان ثمن القطعة الواحدة 1.85 جنيه إسترليني، أما اليوم فقد ارتفع إلى 3.10 جنيه. ومع ذلك، لا يتصور تشوكلي أن يكون بوسع المقهى رفع الأسعار كثيراً فوق هذا المستوى.

ويضيف “من حيث السعر، نحن بالفعل عند الحد الأعلى تقريباً بالنسبة إلى حجم المنتج الذي نقدمه”.

ويتابع “لا أعتقد أن لدى الناس فهماً كافياً لكيفية تكوّن سعر السلع الاستهلاكية أو الأسباب التي تحدد قيمتها. فهناك أسعار معينة ترسخت في أذهانهم، مثل سعر كأس البيرة أو فنجان الكابتشينو”.

أظهر تحليل أجرته “بلومبرغ” لبيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أن أسعار المواد الغذائية في المملكة المتحدة ارتفعت بنحو 40% منذ عام 2019، مدفوعة بمزيج من اضطرابات سلاسل الإمداد والظواهر المناخية المتطرفة والصراعات.

في الوقت نفسه، سجلت أسعار السكر والبيض والشوكولاتة، وهي مكونات رئيسية في صناعة المعجنات، زيادات تجاوزت 60%.

تقول ليليانا دانيلا، كبيرة الاقتصاديين في اتحاد الأغذية والمشروبات “رغم بدء إعادة فتح مضيق هرمز، فإن سلاسل الإمداد ستحتاج إلى ستة أشهر إضافية على الأقل حتى تعود إلى وضعها الطبيعي، وفي بعض الحالات قد يستغرق إصلاح البنية التحتية للطاقة وقتاً أطول”.

وتشير إلى أن شركات تصنيع الأغذية ترتبط عادة بعقود طويلة الأجل مع الموردين وتجار التجزئة، ما يعني أن انتقال موجات ارتفاع التكاليف إلى أسعار الغذاء قد يستغرق ما يصل إلى عام. وتضيف “لكن التكاليف المرتفعة أصبحت الآن جزءاً راسخاً من النظام”.

كانت الحرب في الخليج ثاني صدمة جيوسياسية كبرى تضرب الأسواق العالمية خلال هذا العقد. ففي عام 2022، أدى الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا إلى اضطراب أسواق الطاقة في وقت كان العالم لا يزال يتعافى من جائحة كوفيد، فيما كانت الضغوط التضخمية عالية أصلاً.

ورغم أن موجة ارتفاع الأسعار الحالية لا يُتوقع أن تكون بحدة تلك التي أعقبت الحرب في أوكرانيا، فإن الأثر التراكمي لسنوات من الضغوط المتواصلة على الأسعار بات كبيراً. كما تشير الأبحاث إلى أن أسعار المواد الغذائية نادراً ما تعود إلى مستوياتها السابقة بعد انتهاء الأزمات.

يقول جيمس والتون، كبير الاقتصاديين في معهد توزيع البقالة بالمملكة المتحدة: “إنها سنوات من الضغوط المتلاحقة، عاماً بعد عام، من دون أي انفراج أو مؤشرات إلى تراجع أسعار الغذاء”.

ويضيف “هناك الكثير من المستهلكين الذين يشعرون بأنهم فعلوا كل ما بوسعهم. لقد اتخذوا جميع الخطوات الممكنة، واقتربت خياراتهم من النفاد”.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *