يتفق رؤساء البنوك المركزية وصناع السياسات النقدية على أن التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، ستؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، وهم بالتالي يراقبون مدة استمرار الحرب وتأثيرها في إمدادات النفط والغاز العالمية والتضخم لاتخاذ القرار المناسب.
وحسب تقرير نشرته وكالة بلومبرغ، كلما طال أمد الصراع وازدادت القيود على حركة الطاقة، ارتفعت الضغوط التضخمية عالميًا. وفي هذا السياق، بدأت الأسواق بالفعل في التسعير المسبق لمخاطر التضخم، حيث قام المستثمرون ببيع السندات الحكومية تحسبًا لسياسات نقدية أكثر تشددًا وارتفاع أسعار الفائدة.
ترقب التضخم
وفي أوروبا، كان موقف ألمانيا واضحًا نسبيًا. فقد صرّح رئيس البنك المركزي الألماني، يواخيم ناجل، بأن التأثير الأكبر للأزمة الحالية سيظهر على صعيد التضخم أكثر من تأثيره على النمو الاقتصادي في الوقت الراهن. ويعكس هذا التصريح القلق المتزايد لدى صناع القرار الأوروبيين من موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، خاصة في قطاع الطاقة.
أما في آسيا، فتشير التوقعات إلى استمرار تشديد السياسة النقدية في اليابان، حيث يدرس البنك المركزي احتمال رفع تكاليف الاقتراض، وربما الإقدام على خطوة جديدة في شهر نيسان.
وفي المقابل، بدأت توقعات خفض أسعار الفائدة في بعض اقتصادات آسيا النامية بالتراجع مع تصاعد المخاوف التضخمية.
وفي الولايات المتحدة، يواصل مجلس الاحتياطي الفيدرالي نهج “الانتظار والترقب” بقيادة رئيسه جيروم باول. ويعكس هذا النهج حذر البنك المركزي في التعامل مع الصدمات الاقتصادية، كما حدث سابقًا عند فرض الرسوم الجمركية المرتفعة أو خلال الارتفاع الأولي للأسعار في عام 2021.
العامل الأهم
لكن العامل الأكثر تأثيرًا حاليًا يتمثل في اضطراب حركة الشحن البحري في منطقة الخليج، إذ تشير بيانات تتبع السفن إلى انخفاض حاد في حركة السفن عبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات لنقل النفط في العالم. وقد أدى هذا التراجع في حركة السفن إلى زيادة القلق بشأن إمدادات الطاقة، ما يضغط بدوره على الأسعار العالمية.
ورغم الارتفاع المتوقع في معدلات التضخم على المدى القصير بسبب ارتفاع أسعار الطاقة، يرى بعض الاقتصاديين أن التأثير قد يكون مؤقتًا. فارتفاع تكاليف الطاقة يقلل القدرة الشرائية للمستهلكين، ما يدفعهم إلى خفض الإنفاق على سلع وخدمات أخرى. وهذا بدوره قد يؤدي إلى تباطؤ التوظيف في قطاعات الاقتصاد غير المرتبطة بالطاقة وارتفاع معدلات البطالة.
وهذا السيناريو يضع البنوك المركزية العالمية أمام معادلة معقدة بين احتواء التضخم والحفاظ على النمو. وبينما يتوقع أن تظل الضغوط التضخمية حاضرة في المدى القريب، يبقى مسار السياسات النقدية مرهونًا بتطورات الأوضاع الجيوسياسية وأسواق الطاقة خلال الأشهر المقبلة.
وكان تقرير نشره “انترناشيونال بيزنس تايمز” قد نقل عن بنك مورغان ستانلي تحذيره من أن الحرب الدائرة في إيران تمثل سيناريو “خسارة للجميع” (lose-lose) للاقتصاد العالمي، لأنها تضغط في الوقت نفسه على النمو الاقتصادي وترفع معدلات التضخم. ويرى محللو البنك أن التأثير الرئيسي للحرب سيأتي عبر ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد في حال استمرار الصراع أو توسعه إقليميًا.
ويؤكد محللو مورغان ستانلي أن ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% نتيجة صدمة في الإمدادات قد يرفع التضخم في الولايات المتحدة بنحو 0.35% خلال ثلاثة أشهر، وهو ما قد يحدّ من قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة.


