في كل شهر من كانون الثاني، تتحول قمم دافوس الثلجية إلى مسرح عالمي يجتمع فيه أكثر الشخصيات نفوذاً في السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا، ليس فقط لمناقشة القضايا الأكثر إلحاحاً في العالم، بل لاستعراض فنون التواصل والتأثير في لحظة عالمية مكثفة.
وخلال الفترة من 19 إلى 23 يناير، انعقد المنتدى الاقتصادي العالمي، بمشاركة أسماء بارزة مثل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والملياردير بيل غيتس، والرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا” جينسن هوانغ، الذين توزعوا بين خطابات رئيسية وجلسات نقاش حافلة.
وحمل المنتدى هذا العام شعار “روح الحوار”، في وقت طغت فيه حالة عدم اليقين الجيوسياسي، وتصاعد التوترات التجارية الدولية، على غالبية النقاشات، وسط ملفات ساخنة تصدرتها تصريحات ترامب المتكررة بشأن رغبته في ضم إقليم غرينلاند، إضافة إلى الجدل الواسع حول تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل سوق العمل.
لم تتوقف هذه اللحظات عند قاعات المنتدى، بل جرى بثها مباشرة، ثم اختُزلت لاحقاً في مقاطع قصيرة لا تتجاوز 10 ثوان، انتشرت عبر “تيك توك” ومنصات التواصل الاجتماعي، لتصل إلى جمهور عالمي واسع، وتفتح الباب أمام النقد الفوري والتحليل الجماعي.
في هذا السياق، حلل رينيه كارايول، مدرب القيادة الذي عمل مع كبار التنفيذيين في شركات Fortune 500 وFTSE 100، إضافة إلى عدد من قادة العالم، أبرز ملامح التواصل الفعال في نسخة هذا العام من المنتدى، في حديث مع شبكة “CNBC”.
كارايول، الذي سبق له العمل مع نيلسون مانديلا، والرئيس الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشوف، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، والرئيس التنفيذي لشركة “أبل” تيم كوك، لم يتردد في تحديد جوهر الخطاب المؤثر.
وقال: “أهم قاعدتين نركز عليهما دائماً في التدريب: الأداء قبل المحتوى، وليس ما تقوله بل كيف تقوله. هذه هي القوة الحقيقية. توقف عن محاولة حفظ الكلمات، وتعلّم فن الأداء”.
ماكرون وكارني… درس في القيادة والتأثير
بحسب كارايول، كان كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الكندي مارك كارني بمثابة “درسين متكاملين” في الخطابة والقيادة والتأثير.
ماكرون ألقى خطاباً خاصاً في دافوس، جاء حاداً ومباشراً، رد فيه على ما وصفه بـ المتنمرين، عقب تجديد ترامب تهديداته بفرض رسوم جمركية على أوروبا، وفرض تعريفات تصل إلى 200% على النبيذ الفرنسي، وهي تهديدات جرى التراجع عنها لاحقاً.
وحذر الرئيس الفرنسي من عالم بلا قواعد، في ظل تجاهل متزايد للقانون الدولي، داعياً إلى تعزيز التعاون العالمي لمواجهة حالة عدم الاستقرار. اللافت أن الخطاب أُلقي بينما كان ماكرون يرتدي نظارات شمسية زرقاء بسبب التهاب في عينه، وهو ما أضفى – بحسب كارايول – لمسة تشبه أفلام توم كروز.
ويصف كارايول المشهد: “بدا وكأنه بطل خارق من عالم مارفل. واقف بثبات، مرفوع الرأس، يتحدث بثقة وقوة”.
وأضاف أن لغة جسد ماكرون، من وقفته المنتصبة ونظرته إلى الأعلى، عكست صورة قائد غير خائف، غير معتذر، ومنح أوروبا عموداً فقرياً سياسياً.
على المنوال ذاته، ألقى مارك كارني خطاباً في المنتدى، دعا فيه ما سماها “القوى المتوسطة” إلى الاتحاد في مواجهة الضغوط والإكراه من القوى الكبرى.
وقال كارني: “القوى الكبرى بدأت تستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح، من الرسوم الجمركية كأداة ضغط، والبنية التحتية المالية كوسيلة إكراه، وصولاً إلى سلاسل الإمداد كنقاط ضعف قابلة للاستغلال”.
ووصف كارايول خطاب كارني بأنه ممتاز، مشيراً إلى هدوئه وسلطته ونبرته المدروسة. وأضاف أن تعبيرات وجهه لعبت دوراً أساسياً، إذ بدا جاداً للغاية طوال الوقت، دون أن يرسم ابتسامة واحدة، مع استخدام محسوب لنبرة الصوت لإضفاء مزيد من الهيبة.
وقال كارايول: “أراد أن يفهم العالم أنهم لن يتراجعوا أمام ترامب دون أن يذكر اسمه. ماكرون هو من تتذكره، أما كارني فهو من تحترمه”.
ترامب… بين التألق والتشتت
وعلى الرغم من أن دونالد ترامب يعد – في رأي كارايول – متحدثاً قوياً في العادة، فإنه رأى أن خطابه في المنتدى جاء مشتتاً ومطولاً دون رسالة واضحة.
وقال: “ترامب كان خارج النص، يتنقل بين الأفكار بلا نقطة مركزية… كان يفعل ما أسميه ‘TACO’، أي أنه يتراجع عندما يواجه من يقف في وجهه”.
لكن كارايول أقر في المقابل بأن ترامب يكون “لامعاً” عندما يكون في أفضل حالاته، مضيفاً: “قد لا تتفق مع ما يقوله، لكنك لا تستطيع تجاهل الطريقة التي يقوله بها”.
واستعاد كارايول فترة ما قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية 2024، مشيراً إلى أن ترامب يتألق أكثر في الأجواء التنافسية: “عندما كان يخوض السباق الرئاسي، سحق جميع خصومه”.
القادة الأفضل… يروون القصص
من جهته، يلفت أندرو برودسكي، أستاذ الإدارة بجامعة تكساس ومؤلف كتاب “PING”: “أسرار التواصل الناجح، إلى أن أسلوب التواصل يختلف بين قادة الدول والرؤساء التنفيذيين.
وقال إن الرؤساء التنفيذيين يكونون أكثر حذراً في تصريحاتهم بسبب تأثيرها المباشر على أسعار الأسهم وثقة الموظفين، في حين يمتلك قادة الدول مساحة أوسع لاستخدام خطاب أكثر حدة.
وأضاف: “قادة الدول غالباً ما يستخدمون مشاعر سلبية مثل الغضب، أو يسلطون الضوء على تهديدات وجودية لتحفيز شعوبهم، وهو ما لا يستطيع الرؤساء التنفيذيون فعله بالقدر ذاته”.
وفي المقابل، يرى برودسكي أن أفضل أساليب التواصل القيادي تقوم على الصور الذهنية والاستعارات والقصص.
وضرب مثالاً بالرئيس التنفيذي لشركة “مايكروسوفت” ساتيا ناديلا، الذي شبّه تطور الذكاء الاصطناعي في دافوس بالتحول الجذري الذي أحدثته الحواسيب الشخصية عند ظهورها، مشيراً إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي سيكون أكبر بعشرات المرات.
وقال برودسكي: “بدلاً من الخوض في التفاصيل التقنية، قدّم ناديلا رؤيته باستخدام استعارات بسيطة يفهمها الجميع”.
كما أشار إلى إجابة جينسن هوانغ عن سؤال بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، حيث فضّل سرد قصة عن قطاع الأشعة الطبية، موضحاً كيف أسهم الذكاء الاصطناعي في زيادة فرص العمل بدلاً من تقليصها.
وأضاف: “القصة جعلت الفكرة أكثر واقعية وتأثيراً، بطريقة لا تستطيع الإحصاءات المجردة تحقيقها”.
أما المؤسس المشارك لـ”مايكروسوفت”، بيل غيتس، فلفت الانتباه خلال إحدى الجلسات من خلال حفاظه المستمر على التواصل البصري مع الجمهور، بدلاً من الاكتفاء بالنظر إلى المحاورين.
وقال برودسكي: “هذا التفصيل البسيط جعل الجمهور يشعر وكأن غيتس يتحدث إليهم مباشرة، ويشركهم في الحوار”.


