بعد نحو 15 عاماً على اكتشاف مادة “MXene” الشهيرة، وهي إحدى أهم المواد النانوية ثنائية الأبعاد ذات التوصيل العالي، كشف باحثون في جامعة دريكسل الأميركية عن ابتكار يعد خطوة مفصلية في مسار تطوير هذه المواد، عبر تحويل المادة المسطحة إلى “نانوسكرول”، أو أنابيب نانوية ملفوفة ثلاثية الأبعاد، بسمك يقل 100 مرة عن شعرة الإنسان، وبتوصيل كهربائي يفوق المواد الأصلية.
قال الفريق البحثي إن هذه البنية الجديدة تفتح الباب لتطبيقات أكثر تقدماً في تخزين الطاقة، وأجهزة الاستشعار الحيوية، والأقمشة الإلكترونية، وحتى المواد فائقة التوصيل.
توصلت الدراسة، المنشورة في مجلة “Advanced Materials”، إلى طريقة إنتاج قابلة للتوسع تعتمد على رقائق “مكسين” (MXene) التقليدية وتحويلها إلى أنابيب نانوية متجانسة الشكل والتركيب.
أسواق المالسعر الذهبارتفاع جديد لسعر الذهب في مصر رغم ضعف الطلب
بنية أنبوبية تمنح حركة أسرع للأيونات
البروفيسور، يوري غوغوتسي، أحد أبرز الأسماء العالمية في علم المواد النانوية، شبه التحول في البنية الهندسية للمادة بالانتقال من صفائح الحديد إلى الأنابيب المعدنية.
وأضاف: “البنية ثنائية الأبعاد مهمة، لكنها ليست الأنسب دائماً. ففي البطاريات أو تحلية المياه أو تقوية المواد، تشكل البنى الأنبوبية مسارات أسرع للأيونات”.
فبينما تتكدس رقائق “المكسين” المسطحة فوق بعضها مسببة ازدحاماً نانوياً يعوق حركة الأيونات، فإن تحويلها إلى أنابيب مفتوحة يحولها إلى مسارات فائقة السرعة تساعد على تقليل المقاومة وزيادة الفاعلية.
أوضح الباحث تنغ تشانغ أن هذا الشكل الأجوف يخلق “طرقاً سريعة نانوية” تسمح بانتقال الأيونات بحرية أكبر مقارنة بالبنية الطبقية التقليدية.
تجاوز حدود الغرافين ورفع جودة المواد
ورغم أن أنابيب الغرافين النانوية (مثل الكربون النانوي) معروفة منذ سنوات، فإن محاولة إنتاج بنية مماثلة باستخدام “مكسين” كانت تواجه عقبات تقنية.
فمع أن MXene أكثر قابلية للمعالجة وأعلى توصيلاً من الغرافين، فإن المحاولات السابقة كانت تعطي نتائج ضعيفة أو غير متناسقة.
لكن فريق دريكسل نجح في تجاوز هذه العقبة عبر تقنية التحكم الكيميائي. إذ يعتمد الأسلوب الجديد على تعديل تركيب سطح رقائق MXene باستخدام الماء بدقة شديدة، مما يخلق ما يعرف بتفاعل جانوس الذي يولد إجهاداً داخلياً يجبر الرقائق على الانحناء ثم الالتفاف لتصبح على شكل أنابيب دقيقة ومحكمة.
وباستخدام هذه الطريقة، تمكن الباحثون من تصنيع أنابيب نانوية من ستة أنواع مختلفة من MXene، منها مركبات التيتانيوم والكربيد والفاناديوم والنيوبيوم، وبكميات تصل إلى 10 غرامات دفعة واحدة، مع الحفاظ على تجانس البنية والخصائص.
ميزات تفتح آفاقاً جديدة: استشعار أدق ومواد أقوى
البنية الأنبوبية لا تمنح فقط توصيلاً أعلى وقوة ميكانيكية أكبر، بل تفتح الباب لتطبيقات مهمة في الاستشعار الحيوي خاصة.
ففي المواد ثنائية الأبعاد، تبقى مواقع التفاعل الكيميائي محصورة بين الطبقات، ما يصعب وصول الجزيئات الكبيرة إليها، مثل جزيئات البروتين. أما الأنابيب المفتوحة فتوفر سطحاً مكشوفاً بالكامل، ما يجعلها مناسبة لأجهزة الاستشعار الحيوي والغازي والمكثفات الكهربائية.
كما يمكن دمجها بسهولة داخل البوليمرات المرنة دون أن تفقد قدرتها على التوصيل، وهو ما يجعلها مرشحاً أساسياً لتقنيات الملابس الإلكترونية – أو الأجهزة الأيونترونية – التي تتطلب مواد مرنة وقوية وتبقى موصلة للكهرباء أثناء الحركة والانثناء.
تحكم كهربائي يمهد لابتكار منسوجات ذكية
وأحد الاكتشافات المذهلة في الدراسة هو أن هذه الأنابيب يمكن توجيهها والتحكم في اصطفافها باستخدام مجال كهربائي.
هذا يعني إمكانية دمجها ضمن ألياف المنسوجات الذكية لصنع طبقات طلاء موصلة وأكثر متانة. وهو ما وصفه الباحث تنغ تشانغ قائلاً: “تخيل أن تتحكم في ملايين الأنابيب التي يقل سمكها عن شعرة الإنسان بمئة مرة داخل نسيج واحد، وأن تجعلها تصطف أو تقف عمودياً كالفرشاة. هذه هي النانو تكنولوجيا في أرقى صورها”.
اقتراب من مواد كمومية مرنة وفائقة التوصيل
يعتزم الفريق دراسة الخصائص الكمومية لهذه الأنابيب، خاصة بعد رصد سلوك فائق التوصيل لأول مرة في أفلام مرنة مصنوعة من MXene القائم على كربيد النيوبيوم.
فحتى الآن، كانت خاصية التوصيل الفائق في مكسين مقتصرة على كتل مسحوقية غير مرنة، لكن الشكل الأنبوبي الجديد – عبر الإجهاد والالتفاف داخل البنية – يبدو أنه يحفز الحالة فائقة التوصيل في درجات حرارة منخفضة.
وقال غوغوتسي: “هذا يعطينا لأول مرة إمكانية تصنيع أفلام وأسلاك وطلاءات فائقة التوصيل من “مكسين” بطريقة معالجة بسيطة في درجة حرارة الغرفة”.
خطوة تقود إلى مواد كمومية قابلة للاستخدام الصناعي
أكد الباحثون أن هذا التطور قد يحول MXene من مادة ذات خصائص كمومية مخبرية إلى مادة عملية يمكن استخدامها في، الموصلات فائقة السرعة، وأجهزة الاستشعار الكمومية، والأسلاك فائقة التوصيل للأجهزة الإلكترونية المستقبلية.
وأضاف فريق البحث أن التفاعلات التي تنتج عن عملية “الالتفاف” قد تكشف مزيداً من الظواهر الفيزيائية المثيرة.
المشروع حظي بدعم من وزارة الطاقة الأميركية والمؤسسة الوطنية للعلوم.




