في وقت سابق من هذا الشهر، ألغت شركة استثمار خاصة في “بتكوين” خطة اندماجها مع شركة استحواذ ذات أغراض خاصة، في صفقة كان من شأنها إتاحة تداول أسهم شركة العملات المشفرة في البورصة. وقالت الشركتان، وهما “بي إس تي آر هولدينغز” (BSTR Holdings) التابعة لآدم باك، وشركة تابعة لـ”كانتور فيتزجيرالد” (Cantor Fitzgerald)، إنهما بحاجة إلى مراجعة شروط الاندماج بما “يعكس صورة أفضل لظروف السوق الحالية”.
تتمثل ظروف السوق التي كانتا تشيران إليها في هبوط حاد في قيمة “بتكوين”. فمنذ بلوغها ذروتها في أكتوبر، مدفوعة بإقبال المستثمرين المتحمسين عقب عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الداعم للعملات المشفرة، إلى البيت الأبيض في وقت سابق من العام، فقدت العملة نصف قيمتها. وتتداول “بتكوين” حالياً عند نحو 66 ألف دولار، أي دون مستواها وقت فوز ترمب في انتخابات نوفمبر 2024. ولا يقتصر أثر هذا التراجع على مستثمري العملات المشفرة، بل يمتد أيضاً إلى ما يُعرف بشركات خزائن العملات المشفرة، التي تجمع الأموال من الأسواق العامة ثم توظفها في شراء “بتكوين” أو غيرها من العملات المشفرة.
تُعد العملات المشفرة بطبيعتها استثمارات عالية المخاطر، نظراً إلى تقلباتها السعرية الحادة، فيما لا يستند معظمها إلى أصول داعمة سوى الروايات التي يروّجها مطوروها لجذب المستثمرين. أما شركات خزائن العملات المشفرة، فتقدم نموذجاً أكثر تقلباً، إذ تعتمد على تمويل الأسواق العامة لشراء العملات المشفرة، ما يجعل أسهمها تتحرك كرهان ذي رافعة مالية على الأصول التي تقتنيها. وقد يتيح ذلك تحقيق مكاسب استثنائية، لكنه يعني أيضاً تكبد خسائر فادحة إذا أخفقت تلك الرهانات.
وكما أوضح باك، الشريك المؤسس لـ”بي إس تي آر”، فإن شركات مثل شركته تراهن على أن ترتفع القيمة المستقبلية لـ”بتكوين” إلى مستوى يكفي لتبرير التكاليف الباهظة المرتبطة بتأسيس وإدارة شركة مدرجة في البورصة، هدفها الأساسي شراء عملة مشفرة.
شركات خزائن العملات المشفرة تجذب مليارات
خلال عام 2025، سعت مئات الفرق إلى محاكاة نموذج الأعمال الذي ابتكرته شركة “ستراتيجي” (Strategy) التابعة لمايكل سايلور، والتي تتجاوز حيازاتها من “بتكوين” 50 مليار دولار. وخلال أشهر قليلة، تحول هذا النموذج إلى أحد أكثر الرهانات رواجاً في سوق العملات المشفرة.
كان كوزمو جيانغ، الشريك العام في “بانتيرا كابيتال” (Pantera Capital)، قد بدأ دراسة النموذج مطلع العام الماضي، قبل أن يقود في أبريل 2025 استثماراً بقيمة 125 مليون دولار في شركة “ديفاي ديفيلوبمنت” (DeFi Development). وكانت الشركة قد بدأت نشاطها كشركة مدرجة متخصصة في برمجيات العقارات، قبل أن تتحول إلى تجميع عملة “سولانا” المشفرة. وفي 7 أبريل من العام الماضي، قفز سهمها إلى تسعة أمثال قيمته، ما أشعل موجة من الشركات التي سعت إلى تكرار التجربة.

وبحلول أكتوبر، بلغت أصول شركات خزائن العملات المشفرة ذروتها، متجاوزة 120 مليار دولار، وفق بيانات شركة “أرتيميس أناليتكس” (Artemis Analytics).
وقال جيانغ: “اشتدت المنافسة بسرعة كبيرة، وكانت العروض الاستثمارية تنهال علينا من كل اتجاه”.
استثمرت “بانتيرا” في أكثر من 20 صفقة لشركات خزائن العملات المشفرة، وتمكنت من تحقيق أرباح بفضل الأداء القوي لبعض استثماراتها، من بينها “بيت ماين إمرشن تكنولوجيز” (BitMine Immersion Technologies) و”هايبرليكود ستراتيجيز” (Hyperliquid Strategies).
الخسائر تهدد صفقات شركات خزائن العملات المشفرة
لكن معظم الشركات البارزة تُتداول حالياً عند مستويات أدنى من ذرواتها، فيما وجد المستثمرون الذين دخلوا السوق لاحقاً أنفسهم يتكبدون الخسائر. وبصفتها فئة واحدة، لا تسيطر شركات خزائن العملات المشفرة حالياً سوى على أصول بقيمة 75 مليار دولار، وتتكبد خسائر غير محققة تبلغ عشرات المليارات من الدولارات، وفقاً لبيانات “أرتيميس”.
يبدو الوضع أكثر تعقيداً بالنسبة إلى شركات خزائن العملات المشفرة التي سعت إلى الإدراج عبر شركات الاستحواذ ذات الغرض الخاص، المعروفة أيضاً باسم شركات الشيك على بياض. فبينما لا تزال بعض الشركات تستكمل صفقات أُعلن عنها قبل عام، تواجه أخرى خطر تعثر صفقاتها، من بينها “بي إس تي آر” التابعة لباك. كما أُلغي مؤخراً كيان استثماري بقيمة مليار دولار كان قد استقطب وزير التجارة الأميركي السابق ويلبر روس لعضوية مجلس إدارته، إلى جانب إلغاء صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار لشركة “إيثر ماشين” (Ether Machine).
قال أندرو كيز، الشريك المؤسس لـ”إيثر ماشين”، في رسالة بريد إلكتروني أرسلها إلى المستثمرين في أبريل واطلعت عليها “بلومبرغ نيوز”، إن “ظروف السوق الحالية تجعل المضي قدماً في الصفقة أمراً غير عملي”.
أما بالنسبة للشركات التي أُدرجت خلال الأسابيع الأخيرة، فكان استقبال الأسواق لها قاتماً. فقد هبط سهم شركة “أفالانش تريجري” (Avalanche Treasury)، المتخصصة في شراء العملات المشفرة، والتي اندمجت مع شركة استحواذ ذات غرض خاص تحمل اسم “ماونتن ليك أكويزيشن” (Mountain Lake Acquisition)، بأكثر من 70% منذ بدء تداوله في 11 يونيو، رغم أن قيمة العملة المشفرة التي تركز عليها ظلت شبه مستقرة.
حيازات الشركات تعيد رسم “بتكوين”
سيراقب المستثمرون في شركات خزائن العملات المشفرة مصير “بي إس تي آر” عن كثب. فلو مضت الصفقة المخطط لها قدماً، لأصبحت الشركة فوراً من بين أكبر الشركات في القطاع، كما أن ارتباطها بباك يرفع حجم الرهانات بدرجة أكبر.

كان باك، الذي يدير شركة البنية التحتية لـ”بتكوين” “بلوك ستريم” (Blockstream)، قد اقترح عام 1997 نظاماً للتشفير باسم “هاش كاش” (Hashcash). وبعد 11 عاماً، وردت الإشارة إلى هذا النظام في الورقة البيضاء التي أرست الأسس لما أصبح لاحقاً عملة “بتكوين”. وفي أبريل، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، استناداً إلى أوجه تشابه لغوية ونتائج أخرى، أن باك قد يكون ساتوشي ناكاموتو، المخترع المجهول لـ”بتكوين” الذي ظلت هويته لغزاً لنحو عقدين. إلا أن باك نفى هذا الادعاء.
منذ نشأتها، تطورت “بتكوين” لتتجاوز نطاق الليبرتاريون وأتباع حركة السايفربانك، الذين رأوا ضرورة إنشاء نظام مدفوعات يعمل بعيداً عن إشراف البنوك والحكومات. فبالنسبة إليهم، كانت فكرة تكديس “بتكوين” داخل خزائن الشركات أمراً مرفوضاً تماماً. لكن المشهد تغير اليوم، إذ تحتفظ “ستراتيجي” وحدها بنحو 4% من إجمالي المعروض من “بتكوين”، الذي يقتصر حده الأقصى على 21 مليون عملة.
“بتكوين” تفقد مكانتها كـ”ذهب رقمي”
أصبحت “بتكوين” حالياً فئة أصول معترفاً بها، إذ تحتفظ جهات إصدار صناديق المؤشرات المتداولة الأميركية، من بينها “بلاك روك” (BlackRock) و”فيديليتي إنفستمنتس” (Fidelity Investments)، بما يقارب 72 مليار دولار من العملة. ولفترة، بدت عوائدها منفصلة عن تحركات الأسواق التقليدية.
وبدأ يُنظر إلى “بتكوين” باعتبارها نوعاً من “الذهب الرقمي”، وهي رواية منحت وول ستريت “إطاراً مألوفاً لشيء بدا في البداية غريباً ومثيراً للتهديد: أصل احتياطي نادر، وأداة تحوط من التضخم، وشيء يمكن الاحتفاظ به عندما لا تثق تماماً في النظام”، بحسب كوري كليبستن، الرئيس التنفيذي لمنصة الاستثمار المتخصصة في العملة المشفرة “سوان بتكوين” (Swan Bitcoin).
وفي الآونة الأخيرة، فقدت رواية “الذهب الرقمي” بريقها، بعدما اتخذت “بتكوين” سلوكاً أقرب إلى أصول المخاطر التقليدية. فبينما واصل الذهب صعوده إلى مستويات قياسية جديدة في يناير، ارتفعت وانخفضت “بتكوين” إلى حد كبير بالتوازي مع أسهم التكنولوجيا. لكن هذا الارتباط بدأ يتفكك في أكتوبر، قبل أن تتسع الفجوة بين مساري “بتكوين” والأسهم منذ ذلك الحين.
شركات الخزائن تختبر رهان “بتكوين”
في الوقت نفسه، تحولت شركات خزائن العملات المشفرة إلى عمليات متزايدة التعقيد في أسواق رأس المال. وكان سايلور، رئيس “ستراتيجي”، قد قال ذات مرة لمتابعيه البالغ عددهم 5 ملايين على وسائل التواصل الاجتماعي إن عليهم بيع إحدى كليتيهم إذا اضطروا إلى ذلك، لكن عليهم ألا يبيعوا “بتكوين” أبداً. وفي مايو، باعت الشركة كمية رمزية من العملة المشفرة للمرة الأولى منذ سنوات، ثم باعت مؤخراً ما قيمته 216 مليون دولار منها.
وفي أغسطس 2025، شارك باك في مؤتمر للعملات المشفرة في هونغ كونغ، حيث توقع إريك ترمب، أحد أبناء الرئيس الأميركي، أن يتجاوز سعر “بتكوين” مليون دولار. وكان باك حاضراً لمناقشة نموذج شركات خزائن “بتكوين”، موضحاً لـ”بلومبرغ نيوز” آنذاك أن التحدي الأساسي أمام هذه الشركات يتمثل في قدرتها على تبرير تداول أسهمها بعلاوة فوق صافي قيمة أصولها.
وقال إن “النموذج برمته فعلياً هو عملية مراجحة تراهن على أن يتقدم منحنى نمو بتكوين طويل الأجل على تكلفة رأس المال. وأعتقد أن الفجوة بين تسعير بتكوين اليوم وحجمها المحتمل مستقبلاً هائلة لدرجة تسمح باستيعاب تدفقات ضخمة من رأس المال عاماً بعد عام وعلى مدى عقود”.
وقد يثبت هذا الرهان صحته على المدى الطويل، لكن تطورات العام الماضي قلصت بدرجة كبيرة احتمالات تحققه.



