من واشنطن إلى لندن وبوينس آيرس ونيودلهي، لم تعد صناديق الاقتراع مجرد ساحة للتنافس السياسي، بل أصبحت اختبارا لقدرة الحكومات على حماية المواطنين من الغلاء.
حين ترتفع أسعار الغذاء والسكن والطاقة، ولا تواكب الأجور هذه الزيادات، قد يجد الناخب في صوته وسيلة لمحاسبة السلطة، حتى إذا بدأت معدلات التضخم في التراجع وتحسنت بعض المؤشرات الاقتصادية.
أعادت انتخابات التجديد النصفي الأميركية، التي جرت في 3 تشرين الثاني 2026، ملف الأعباء المعيشية إلى صدارة النقاش السياسي والاقتصادي، بعدما أظهرت الاستطلاعات أن ارتفاع الأسعار وتكاليف الحياة شكلا عاملا رئيسيا في تحديد اختيارات الناخبين، في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن تأثير السياسات الاقتصادية والتجارية والحرب مع إيران على ميزانيات الأسر.
ووفق استطلاع أجرته مؤسسة «رويترز إبسوس» قبل الانتخابات، وشمل 1765 بالغا أمريكيا، تصدرت تكلفة المعيشة اهتمامات الناخبين المسجلين، إذ اختارها 48% باعتبارها القضية الأهم في تحديد تصويتهم، مقابل 26% وضعوا المعايير الديمقراطية في المقدمة، و13% اختاروا الهجرة.
وأظهر الاستطلاع نفسه أن نحو نصف المشاركين يرون أن أوضاع أسرهم المالية تدهورت منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فيما قال 55% إن الحرب الأمريكية مع إيران لا تستحق تكلفتها.
وفي استطلاع خروج نشرته شبكة «سي بي إس نيوز» يوم الانتخابات، قال الناخبون إنهم يواجهون صعوبة في تحمل نفقات تشمل الوقود والمواد الغذائية وفواتير الخدمات، كما كانوا أكثر ميلا بأكثر من الضعف إلى القول إن أوضاعهم المالية أصبحت أسوأ بدلا من أفضل.
وأشار الاستطلاع إلى أن تكلفة المعيشة كانت عاملا مهما لدى الناخبين من الحزبين، وإن اختلفت أولويات كل منهما.
وتكشف هذه المؤشرات عن فجوة بين الأرقام الاقتصادية وتجربة المواطنين اليومية، فالحكومات قد تعلن تراجع التضخم أو تحسن بعض المؤشرات، لكن الناخب لا يقيس التعافي من خلال البيانات وحدها، وإنما من خلال ما يتبقى في دخله بعد شراء الغذاء وسداد الإيجار وفواتير الطاقة والرعاية الصحية.
ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز الولايات المتحدة: هل أصبحت فاتورة المعيشة معيارا رئيسيا لمحاسبة الحكومات، حتى عندما تبدأ الأوضاع الاقتصادية في التحسن؟
ليست انتخابات 2026 أول مرة تتحول فيها الأوضاع الاقتصادية إلى عامل مؤثر في مصير الإدارة الأميركية، فالتاريخ الانتخابي للولايات المتحدة يقدم نماذج ارتبطت فيها هزيمة رؤساء أو تراجع الأحزاب الحاكمة بارتفاع الأسعار وتباطؤ الاقتصاد وتراجع ثقة المواطنين في قدرة السلطة على تحسين أوضاعهم.
أميركا 1980.. التضخم يهزم كارتر
في انتخابات 1980، واجه الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر واحدة من أصعب الفترات الاقتصادية في تاريخ الولايات المتحدة الحديث، مع ارتفاع التضخم والبطالة وتباطؤ النشاط الاقتصادي، بالتزامن مع أزمة الرهائن الأمريكيين في إيران.
ووفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، بلغ معدل التضخم السنوي 14.8% في آذار 1980، قبل أن يتراجع إلى 12.8% في تشرين الأول من العام نفسه، أي قبل الانتخابات بأسابيع. ورغم هذا التراجع، ظلت الأسعار المرتفعة وتكاليف المعيشة من أبرز مصادر الاستياء لدى المواطنين.
وأظهرت دراسة تاريخية نشرتها جامعة كاليفورنيا ضمن كتاب عن السياسة المالية الأمريكية في ثمانينيات القرن الماضي، أن 33% من الناخبين في انتخابات 1980 اعتبروا التضخم والاقتصاد من أهم القضايا التي حددت تصويتهم، وأن 61% من هذه الفئة صوتوا لصالح الجمهوري رونالد ريغان، الذي فاز في النهاية على كارتر.
أمريكا 1992.. «إنه الاقتصاد يا غبي»
وبعد 12 عاما، تكرر المشهد بصورة مختلفة في انتخابات 1992، عندما دخل الرئيس الجمهوري جورج بوش الأب سباق إعادة انتخابه وسط آثار ركود اقتصادي شهدته الولايات المتحدة خلال عامي 1990 و1991.
واكتسبت عبارة «إنه الاقتصاد يا غبي» شهرة واسعة خلال حملة منافسه الديمقراطي بيل كلينتون، بعدما تحولت إلى شعار غير رسمي للحملة، التي ركزت على الأوضاع المعيشية والاقتصاد في مواجهة بوش.
ووفق استطلاع نشرته وكالة «يو بي آي» في 4 تشرين الثاني 1992، اعتبر 43% من الناخبين الاقتصاد القضية الأولى التي تواجه البلاد، فيما صوت 60% ممن وصفوا أداء الاقتصاد بأنه سيئ لصالح كلينتون.
كما أظهر استطلاع نشرته صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» في اليوم نفسه أن نحو 40% من الناخبين قالوا إن أوضاعهم الاقتصادية أصبحت أسوأ مقارنة بأربع سنوات سابقة، وصوت 61% من هذه الفئة لكلينتون، مقابل 15% فقط لبوش.
أميركا 2024.. التضخم يلاحق الحزب الحاكم
ولم يتوقف تأثير التضخم عند هذه التجارب التاريخية؛ ففي انتخابات 2024 الرئاسية، كان ارتفاع الأسعار أحد الملفات التي أثرت في تقييم الأمريكيين لإدارة الرئيس جو بايدن، وأصبح محورا رئيسيا في حملة دونالد ترامب ضد منافسته الديمقراطية كامالا هاريس.
ورغم تراجع معدل التضخم عن ذروته التي سجلها بعد جائحة كورونا، ظلت الأسعار عند مستويات مرتفعة مقارنة بما اعتادت عليه الأسر الأمريكية قبل موجة الغلاء. وبالنسبة إلى كثير من المواطنين، لم يكن انخفاض معدل التضخم كافيا لاستعادة الإحساس بأن الحياة أصبحت أقل تكلفة.
وفي دراسة منشورة بدورية British Journal of Political Science في تشرين الأول 2025، اختبر الباحثون سليم إردم أيتاك ودانيال ماكدويل وديفيد شتاينبرغ تأثير تذكير الناخبين بالتضخم على تقييمهم للحزب الحاكم، من خلال تجربة ضمن استطلاع تمثيلي أُجري قبل انتخابات 2024.
وخلصت الدراسة إلى أن تذكير المشاركين بارتفاع الأسعار أدى إلى تراجع دعمهم للحزب الديمقراطي الحاكم آنذاك، وكان التأثير أكثر وضوحاً بين المستقلين والديمقراطيين. ورأى الباحثون أن التضخم أسهم على الأرجح في تراجع فرص الحزب الديمقراطي، مع التأكيد أن التجربة تقيس تأثير استحضار التضخم على التقييم السياسي، ولا تثبت وحدها أنه حسم تصويت كل ناخب.
الأرجنتين 2023.. التضخم يصعد بمرشح التغيير
ولا يقتصر ارتباط الغضب المعيشي بالنتائج الانتخابية على الولايات المتحدة، إذ شهدت دول أخرى خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية ارتبطت بأزمات اقتصادية وارتفاعات حادة في الأسعار، وإن اختلفت طبيعة هذه الأزمات ومدى تأثيرها في سلوك الناخبين.
وتبرز الأرجنتين باعتبارها واحدة من أوضح الحالات، بعدما تحول التضخم المتسارع إلى محور رئيسي في انتخابات 2023، التي حملت الاقتصادي خافيير ميلي إلى الرئاسة، في مواجهة الأحزاب التقليدية التي تعاقبت على إدارة البلاد.
وقبيل جولة الإعادة الرئاسية في تشرين الثاني، وصل التضخم السنوي إلى 142.7% خلال تشرين الأول، وفق بيانات رسمية نقلتها وكالة «رويترز» عن هيئة الإحصاء الأرجنتينية، بينما كانت البلاد تواجه أزمة اقتصادية ممتدة أدت إلى تآكل قيمة العملة المحلية وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
وأشارت بيانات المعهد الوطني للإحصاء والتعداد في الأرجنتين، التي أوردها صندوق النقد الدولي في تقريره عن البلاد، إلى ارتفاع معدل الفقر إلى 42% خلال النصف الثاني من 2023، مقارنة بنحو 29% في النصف الأول من 2017.
وفي الانتخابات العامة التي سبقت جولة الإعادة، حصل تحالف «لا ليبرتاد أفانزا» بقيادة ميلي على نحو 30% من الأصوات، وفق النتائج الرسمية المنشورة على موقع الانتخابات الأرجنتيني، قبل أن يفوز مرشحه بالرئاسة في الجولة الثانية.
واستفاد ميلي من حالة الاستياء من الأزمة الاقتصادية وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية، مقدماً نفسه باعتباره مرشحاً لتغيير السياسات الاقتصادية القائمة. لكن صعوده لم يكن نتيجة التضخم وحده، إذ تداخلت معه عوامل تتعلق بالفساد والثقة السياسية والبحث عن بديل خارج المنظومة الحاكمة.
الهند 2014.. أسعار الغذاء تضعف الحزب الحاكم
وفي الهند، حملت انتخابات 2014 تحولا كبيرا في المشهد السياسي، مع تراجع حزب المؤتمر الحاكم وصعود حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة ناريندرا مودي، في وقت كانت فيه البلاد تواجه تباطؤا اقتصاديا وضغوطا تضخمية، خاصة في أسعار الغذاء.
ووفق بيانات الاتحاد البرلماني الدولي، حصل حزب بهاراتيا جاناتا على 282 مقعدا في مجلس الشعب الهندي، مقابل 44 مقعدا فقط لحزب المؤتمر، الذي كان يقود الحكومة قبل الانتخابات. وأشارت المؤسسة إلى أن حزب مودي ركز في حملته على التنمية والنمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
ولم تكن الأسعار العامل الوحيد وراء هذه النتيجة، فقد تداخلت مع تراجع الثقة في الحكومة، والوعود بتحقيق نمو أكبر وتوفير وظائف، فضلا عن قدرة مودي على تقديم نفسه باعتباره مرشحا للتغيير. لكن التجربة توضح كيف يمكن للضغوط الاقتصادية أن تمنح المعارضة مساحة أوسع لاستقطاب الناخبين.
بريطانيا 2024.. المعيشة في مواجهة المحافظين
أما في بريطانيا، فقد شكلت أزمة تكلفة المعيشة أحد أبرز الملفات التي سبقت الانتخابات العامة في يوليو/تموز 2024، بعدما عانت الأسر من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والسكن، في أعقاب موجة التضخم التي ضربت البلاد.
وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» في 24 حزيران 2024 أن 45% من البريطانيين اعتبروا تكلفة المعيشة قضية رئيسية في تحديد تصويتهم، وهي النسبة الأعلى بين القضايا التي شملها الاستطلاع. كما رأى 80% أن الحكومة تعاملت بصورة سيئة مع أزمة المعيشة، وشمل هذا التقييم 62% من الناخبين الذين صوتوا للمحافظين في انتخابات 2019.
واللافت أن الاستياء لم يقتصر على تقييم الحكومة، بل امتد إلى الوضع المالي للأسر، إذ قال 48% من المشاركين إن أوضاعهم المالية أصبحت أسوأ خلال الاثني عشر شهراً السابقة للاستطلاع، مقابل 12% فقط قالوا إنها تحسنت.
وفي تموز 2024، خسر المحافظون الحكم بعد 14 عاما في السلطة، وحقق حزب العمال بقيادة كير ستارمر فوزا كبيرا. ورغم تعدد أسباب النتيجة، فإن أزمة المعيشة كانت من الملفات التي ساهمت في تشكيل المزاج الانتخابي المعارض للحكومة.
رغم هذه الشواهد، إلا أن العلاقة بين الاقتصاد والتصويت ليست آلية، فقد يشعر الناخب بالضيق من الأسعار، لكنه قد يفضل استمرار القيادة القائمة لأسباب سياسية أو اجتماعية، أو بسبب عدم اقتناعه بالبديل المطروح. كما يمكن للتحالفات والهوية الحزبية وشخصية المرشحين أن تؤثر في كيفية ترجمة الاستياء الاقتصادي إلى أصوات.
لماذا يظل الناخب غاضبا رغم تراجع التضخم؟
لفهم هذه المفارقة، لا بد من التمييز بين مفهومين اقتصاديين يختلطان كثيرا في النقاش العام: معدل التضخم ومستوى الأسعار.
فتراجع التضخم يعني أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاضها. فإذا ارتفع سعر سلعة من 100 إلى 120 وحدة نقدية خلال عام، ثم تراجع معدل التضخم في العام التالي، فهذا لا يعني عودة سعرها إلى 100، وإنما قد يعني استمرار ارتفاعه بوتيرة أقل.
وهنا تكمن الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية وتجربة المواطن اليومية. فحتى عندما تنجح الحكومات في خفض معدل التضخم، تظل الأسر مطالبة بالتعامل مع مستوى أسعار أعلى مما كانت عليه قبل الأزمة، ما لم تحدث زيادة كافية في الدخول تعوض الفارق.
ويزداد الأمر صعوبة عندما لا تواكب الأجور الزيادات التراكمية في أسعار السلع والخدمات. فالدخل الاسمي قد يرتفع، لكن القوة الشرائية الحقيقية تتراجع إذا كانت الزيادة في الأجر أقل من ارتفاع تكلفة المعيشة.
كما أن تأثير الغلاء لا يتوزع بالتساوي بين المواطنين؛ فالأسر محدودة ومتوسطة الدخل تنفق نسبة أكبر من مواردها على الغذاء والسكن والطاقة والمواصلات، وهي بنود يصعب الاستغناء عنها أو تأجيلها. ولذلك قد تشعر هذه الأسر بوطأة التضخم بصورة أكبر من أصحاب الدخول المرتفعة.
وتتضح هذه الفجوة أيضا في سوق السكن، إذ لا يقتصر العبء على ارتفاع الإيجارات، بل يمتد إلى تكاليف التمويل العقاري وفواتير الخدمات والصيانة. ومع ارتفاع أسعار الفائدة، تصبح تكلفة شراء منزل أو الحصول على قرض أكثر صعوبة، حتى بالنسبة إلى الأسر التي لم تتراجع دخولها الاسمية.
وتدعم دراسة منشورة عام 2026 في دورية Journal of Monetary Economics هذا التفسير، إذ بحثت العلاقة بين التضخم والأجور الحقيقية ونتائج الانتخابات الأمريكية خلال الفترة من 2021 إلى 2024.
وخلص الباحثان خوان فيليبي ريانو وفرانشيسكو تريبي إلى أن تراجع الأجور الحقيقية كان مؤشرا مهما على العقاب الانتخابي للحزب الحاكم، مع استمرار وجود تأثير إضافي للتضخم في التصويت الرئاسي حتى بعد احتساب تغيرات الأجور.
ولا يعني ذلك أن الاقتصاد وحده يحدد نتائج الانتخابات؛ فالحروب والسياسة الخارجية والهجرة والهوية الحزبية وشخصية المرشحين ومستوى الثقة بالمؤسسات، كلها عوامل تتداخل في قرار الناخب. كما أن قدرة المعارضة على تقديم بديل مقنع تؤثر في ترجمة الغضب إلى أصوات انتخابية.
لكن التجارب السابقة، من الولايات المتحدة إلى الأرجنتين وبريطانيا والهند، تظهر أن تجاهل الضغوط المعيشية قد يفرض تكلفة سياسية كبيرة على الحكومات، خصوصاً عندما يشعر المواطنون بأن تحسن المؤشرات الاقتصادية لا يصل إلى موائدهم أو حساباتهم المصرفية.
وفي انتخابات أميركا 2026، لم يكن السؤال بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الناخبين هو ما إذا كان الاقتصاد ينمو أو ما إذا كان التضخم يتباطأ فحسب، بل ما إذا كانت حياتهم أصبحت أقل تكلفة بالفعل.
وهذه هي المعادلة التي تواجه الحكومات في دول مختلفة، قد تعلن الأرقام بداية التعافي، لكن الناخب لا يمنح صوته بناء على الأرقام وحدها، إنه يحاسب السلطة على ما تبقى في جيبه بعد دفع الفواتير.





