أخبار اقتصادية

أسرار “هندسة منيو المطاعم”.. كيف تدفعك قوائم الطعام إلى وجبات معينة؟

هل تساءلت يوماً لماذا تختار أطباقاً معينة بمجرد جلوسك في المطعم؟ الأمر لا يتعلق أبداً بالذوق الشخصي البحت، بل هو نتاج علمي دقيق يُعرف بـ”هندسة قائمة الطعام” (Menu Engineering)؛ وهي أقوى أداة مبيعات في قطاع الضيافة لتوجيه العملاء وتعظيم ربحية كل طلب.

ونقل تقرير نشره موقع “اندبندنت ايريش” عن كيث برادشو، مؤسس وكالة «Urban Brand Creative» المتخصصة في تصميم قوائم المطاعم والفنادق، أن قائمة الطعام هي «أقوى أداة مبيعات في قطاع الضيافة»، موضحًا أن طريقة ترتيب الأصناف ووصفها وموقعها وأسعارها تؤثر بصورة مباشرة في اختيارات العملاء وحجم إنفاقهم وربحية كل طلب.

وأكد برادشو أن هندسة قوائم الطعام ليست «فنًا مظلمًا»، بل أصبحت ضرورية لاستدامة المطاعم وربحيتها، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل وضغط المصروفات على هوامش الأرباح.

لكن الطبق الأغلى ليس بالضرورة الأكثر ربحية. ويحلل الشيف ومستشار الأغذية توم فلافين بيانات مبيعات المطاعم لمساعدة أصحابها والطهاة على تحديد الأطباق التي تستحق التركيز. ويضرب مثالًا بأن برغر الدجاج قد يحقق هامش ربح يصل إلى 80%، مقابل 20% فقط لشريحة اللحم؛ وبالتالي فإن بيع 10 برغر دجاج قد يحقق أرباحًا أكبر من بيع 10 شرائح لحم.

ترتيب العناصر

أسرار «هندسة منيو المطاعم».. كيف تدفعك قوائم الطعام إلى وجبات معينة؟ - صورة 1

ومن أبرز أساليب هندسة القوائم اختيار الموقع بعناية. فالأطباق ذات الشعبية المرتفعة والربحية العالية توضع عادة في الجزء العلوي الأيمن من القائمة لجذب الانتباه، بينما توضع الأصناف مرتفعة التكلفة والأقل رغبة في الجزء السفلي الأيسر، حيث يقل احتمال ملاحظتها.

كما يؤثر ترتيب الأصناف في قرارات المستهلك. ويشير دينيس أوهارا، أستاذ علم النفس التجريبي والعلوم السلوكية في جامعة غالواي، إلى أن العملاء يميلون إلى تذكر أول وآخر الخيارات أكثر من غيرها.

كما أن وضع طبق داخل مربع أو إطار منفصل يجعله أكثر وضوحًا لأنه يكسر الشكل البصري المعتاد للقائمة ويجذب العين.

علامة السعر

ومن الحيل الشائعة إزالة علامة السعر مع الإبقاء على الرقم. والهدف هو تقليل التركيز النفسي على فكرة إنفاق المال. فعندما يرى العميل «10 يورو» أو «17 يورو»، قد يربط السعر مباشرة بخروج الأموال من جيبه، بينما كتابة الرقم وحده دون رمز العملة قد تجعله أكثر ارتياحًا.

مع ذلك، يقول أوهارا إن الأدلة على فاعلية هذه الحيلة محدودة، وقد تكون أكثر تأثيرًا في المطاعم الراقية التي لا يكون السعر فيها عاملًا حاسمًا بالنسبة للزبون.

قائمة أقصر تعني إنفاقا أسهل

من ناحية أخرى، فإن كثرة الخيارات قد تربك العميل وتجعل الأطباق التي يريد المطعم بيعها تضيع وسط القائمة. لذلك ينصح برادشو بتقسيم الأطباق إلى فئات واضحة وتقليص عدد الأصناف داخل كل فئة. فإذا لم يكن المطعم متخصصًا في البيتزا، فلا داعي لعرض 20 نوعًا منها، بل يمكن الاكتفاء بخمسة أو سبعة.
ويقول إن وجود 60 أو 70 طبقًا يتحول إلى «ضوضاء بيضاء» بالنسبة للمستهلك، بينما تساعد القائمة المختصرة، التي يفضل أن تكون في صفحتين، على اتخاذ القرار بصورة أسرع، وتحسين دوران الطاولات، وتقليل هدر المطبخ، وزيادة ظهور الأطباق الأكثر ربحية، بل وتحسين تجربة الزبون والبقشيش

العروض الخاصة والبيع الإضافي

وتستخدم المطاعم أيضًا قسمًا خاصًا أو ورقة مرفقة لإبراز أطباق اليوم والعروض الخاصة، مع تدريب النادل على توجيه انتباه العميل إليها.

ويمكن للمطاعم كذلك استخدام البيع المتقاطع والبيع الإضافي من خلال ربط الطعام بالمشروبات، مثل اقتراح نوع المشروب مع طبق معين.

أما الحلويات، فيُفضل فلافين أن تكون في قائمة منفصلة تُقدم بعد الانتهاء من الوجبة الرئيسية. فالاطلاع على الحلويات في بداية الوجبة قد يجعل العميل يقلل من طلب المقبلات، بينما تقديم قائمة الحلوى في النهاية يزيد احتمال اختيارها.

وينصح العاملين بعدم سؤال العميل إن كان يريد قائمة الحلوى، بل وضعها أمامه بعد تنظيف الطاولة ومنحه بعض الوقت للاسترخاء.

أسرار «هندسة منيو المطاعم».. كيف تدفعك قوائم الطعام إلى وجبات معينة؟ - صورة 2

ترتيب الأطباق بحسب السعر

ويعد التثبيت السعري (Price Anchoring) من أكثر الأساليب تأثيرًا. فعندما يرى العميل خيارًا فاخرًا مرتفع السعر في بداية قراره، تبدو الخيارات الأقل سعرًا أكثر منطقية. فإذا أراد المطعم بيع طبق بسعر 24 يورو، يمكن أن يضع طبقًا آخر بسعر 30 يورو أو أكثر، ليبدو سعر 24 يورو أكثر جاذبية.

كما تستخدم المطاعم أوصافًا توحي بالجودة والأصالة، مثل الإشارة إلى مكونات محلية أو تقنيات طهي معينة. فكلمة «سوتيه» قد تبدو أكثر فخامة من «مقلي»، وذكر نوع جبن محلي محدد قد يمنح الطبق إحساسًا بالأصالة يجعل العميل أكثر استعدادًا لدفع سعر أعلى.

ورغم تأثير هذه الأساليب، يؤكد أوهارا أن القوائم تؤثر في قرارات العملاء بدرجات متفاوتة، لكن من الصعب تحديد حجم تأثيرها النهائي؛ فالزبون يكون جائعًا وتحت ضغط الوقت والتأثير الاجتماعي من النادل ومن يرافقونه. وتظهر الأبحاث أن التأثير الأقوى يكون على الانتباه وحركة العين، ثم يضعف تدريجيًا عند الانتقال من الانتباه إلى النية والشراء والاستهلاك.

وبالنسبة للمستهلكين، ينصح كيان كارولان، العضو المنتدب لشركة DNG Financial Services، بتحديد ميزانية قبل الذهاب إلى المطعم، والاستفادة من نشر معظم المطاعم قوائمها على الإنترنت لمعرفة التكلفة مسبقًا وتجنب القرارات الاندفاعية. ويؤكد أن أفضل قاعدة هي أن يختار العميل ما يريده فعلًا، لا ما تحاول قائمة الطعام دفعه إلى شرائه.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *