يهدد التنافس العالمي على الغاز الطبيعي المسال بتقويض استراتيجية أوروبا القائمة على تأجيل مشتريات الشتاء إلى حين إعادة فتح مضيق هرمز.
أنهت الحكومات وشركات الطاقة الشتاء الماضي وهي تعتقد أنها تستطيع تأجيل إعادة بناء المخزونات، حتى مع هبوطها إلى أدنى مستوياتها منذ 2022.
وصعّبت قفزة أسعار الغاز عقب اندلاع الحرب مع إيران في أواخر فبراير تبرير عمليات الشراء، بينما راهن التجار على أن الدبلوماسية ستنتصر في نهاية المطاف، وأن التدفقات عبر المضيق، الذي يمر من خلاله خُمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال، ستُستأنف.
آسيا تنافس أوروبا على الغاز
بعد نحو خمسة أشهر، يبدو ذلك الرهان محفوفاً بالمخاطر. فقد تجدد القتال في الشرق الأوسط، واقتربت أسعار الغاز من أعلى مستوياتها منذ بدء الصراع، كما تتخلف أوروبا كثيراً عن وتيرتها المعتادة في تكوين المخزونات. ويسارع المشترون الآسيويون، من الصين إلى باكستان، إلى اقتناص شحنات الغاز الطبيعي المسال المتاحة لتعويض الإمدادات القطرية المفقودة، ما يسحب الشحنات فعلياً بعيداً عن أوروبا.
يتمثل أحد الأسئلة الرئيسية فيما إذا كانت الحكومات، ولا سيما في ألمانيا، أكبر الأسواق، ستتدخل لدعم المشتريات إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً، ما قد يشعل حرب مزايدات مع مناطق أخرى خلال الأشهر المقبلة. ولا يشك كثيرون في أن أوروبا ستؤمّن ما يكفي من الوقود لفصل الشتاء. لكن الخطر الأكبر يكمن في التكلفة، وفيما إذا كانت الأسر والقطاعات الصناعية قادرة على تحمل قفزة أخرى في فواتير التدفئة والكهرباء بعد أعوام قليلة فقط من أزمة الطاقة الماضية في المنطقة.
قالت آن-صوفي كوربو، الباحثة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، والرئيسة السابقة لتحليلات الغاز لدى شركة “بي بي” (BP): “تجاهلت الأسواق تدريجياً تصاعد المخاطر حتى أصبحت أسعار الغاز ترتفع بسرعة”.
وأضافت: “السؤال الآن هو ما إذا كانت الأسواق ستتحرك سريعاً لمواجهة هذا الارتفاع”.
تعطل صادرات الغاز القطرية
ما يزال استئناف حركة شحن الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز احتمالاً بعيداً، إذ توقفت الصادرات فعلياً منذ تعرض ناقلة قطرية لهجوم قبل نحو أسبوعين. وتضاءلت الآمال في تحقيق انفراجة دبلوماسية، مع تقليل واشنطن وطهران من احتمال إجراء محادثات، بينما هدد الرئيس دونالد ترمب بقصف الجسور ومحطات الكهرباء في إيران.
ستكون التداعيات الاقتصادية كبيرة. وتقدّر شركة “بارينغا بارتنرز” (Baringa Partners) الاستشارية في مجال الطاقة أنه إذا ظل مضيق هرمز مغلقاً حتى سبتمبر، فقد يكون الارتفاع الحاد في أسعار الغاز والكهرباء كافياً لدفع المملكة المتحدة وأوروبا إلى الانكماش قرب نهاية العام الجاري.
قال كاسبيان كونران، الخبير الاقتصادي لدى “بارينغا”: “يضطر المشترون الأوروبيون الآن إلى التوجه إلى السوق وشراء الغاز ودفع هذه الأسعار التي لم يكونوا مستعدين لدفعها من قبل.. وإلا سنتجمد في الشتاء”.
تستعد قطر، ثاني أكبر مُصدّرة للغاز الطبيعي المسال في العالم في الأوقات العادية، لاضطراب طويل الأمد. وكانت قد أرسلت عدة شحنات عبر مضيق هرمز عقب اتفاق سلام أميركي-إيراني مؤقت لم يكتب له النجاح في منتصف يونيو، لكنها تعتزم الآن تمديد حالة القوة القاهرة لعملائها في أوروبا حتى منتصف أكتوبر، ولعملائها في آسيا حتى سبتمبر، بحسب أشخاص مطلعين على الأمر.
مخزونات الغاز الأوروبية تتراجع
من شأن ذلك أن يقضي تقريباً على أي فرصة أمام أوروبا للاعتماد على الإمدادات القطرية مع اقتراب موسم التدفئة. وتزيد مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي قليلاً على 54% من طاقتها، وهو مستوى يقل كثيراً عن متوسط 70% خلال الأعوام الخمسة الماضية، كما أنه دون هدف التكتل البالغ 80% بحلول الأول من نوفمبر.
قال أليكس سيو، كبير محللي الغاز لآسيا لدى إندبندنت كوموديتي إنتليجنس سيرفيسز (Independent Commodity Intelligence Services): “لم يتوقع أحد أن تتصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مجدداً.. الوقت يداهمنا. وسيتعين على الاتحاد الأوروبي زيادة مشترياته الآن إذا أراد بلوغ هدف المخزونات”.
بحسب كوربو، كانت أوروبا تحتاج إلى وصول شحنات الغاز الطبيعي المسال بالوتيرة نفسها المسجلة العام الماضي لتحقيق هدف ملء المخزونات إلى 80%. لكن بيانات تتبع السفن لدى “بلومبرغ” تُظهر أن الشحنات تقل بنحو 27% عن مستويات العام الماضي، استناداً إلى متوسط متحرك لثلاثين يوماً، في حين ارتفعت الواردات إلى آسيا. ويشير هذا التحول إلى أن المشترين الآسيويين، الذين حصلوا على نحو ربع وارداتهم من الغاز الطبيعي المسال من الخليج العربي العام الماضي، يتجهون إلى مصادر إمداد أخرى، ما يترك أوروبا أمام خيارات أقل.
أوروبا أكثر عرضة للبرد
قال ماركو سالفرانك، رئيس تداولات أوروبا القارية لدى شركة “أكسبو هولدينغ” (Axpo Holding) السويسرية: “تدفع التطورات في الخليج المشاركين في السوق إلى تسعير سيناريو اضطراب طويل الأمد، ما يجعل أوروبا أكثر عرضة لصدمة برد كما شهدنا في يناير وأجزاء من فبراير هذا العام”.
كما التزم الاتحاد الأوروبي بوقف واردات الغاز الطبيعي المسال الروسي بحلول يناير 2027، ما يقلص أحد خياراته الرئيسية للإمدادات. وتشير بيانات تتبع السفن إلى أن الوقود القادم من هذه الدولة المصدرة شكّل 17% من إمدادات أوروبا بين يناير ويونيو من العام الجاري. وأخفقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي هذا الأسبوع في تمرير مقترح كان سيقيّد قدرة الشركات على نقل الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى دول ثالثة.
تحافظ درجات الحرارة الحارقة في أنحاء آسيا على ارتفاع الطلب على الغاز الطبيعي المسال، إذ تشتري باكستان، وبنغلادش، والهند شحنات فورية عند بعض أعلى الأسعار المسجلة منذ سنوات. ولا يرى التجار وصناع السياسات سوى مؤشرات محدودة على تراجع الطلب رغم ارتفاع التكاليف. وتواجه هذه الدول ضغوطاً لتأمين الوقود أو مواجهة انقطاعات متكررة للكهرباء أو إغلاق المصانع.
آسيا تسبق أوروبا بالمشتريات
كما تعود الصين، أكبر مستوردة للغاز الطبيعي المسال في العالم، إلى السوق. وقد زادت مشترياتها استعداداً لذروة الطلب الصيفي، بالتزامن مع إعادة بناء المخزونات، إذ ارتفعت واردات يونيو بنسبة 8.3% مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي. كما زاد المشترون الصينيون مشترياتهم من الدول المُصدّرة من خارج الخليج العربي لتعويض الإمدادات القطرية.
وحتى اليابان، التي اعتمدت بدرجة أكبر على الفحم في مارس وأبريل، تعزز الآن توليد الكهرباء باستخدام الغاز مع دفع موجة الحر الشديدة أسعار الكهرباء إلى أعلى مستوى لها في أكثر من ثلاثة أعوام. ويهدد ذلك باستنزاف المخزونات وزيادة الضغوط على شركات المرافق لشراء الغاز من السوق الفورية. وينطبق الأمر نفسه على كوريا الجنوبية، وتايوان.
وقالت كوربو: “تنظم الدول الآسيوية مناقصات، بينما لا يفعل الأوروبيون ذلك”.
مخاطر تكرار أزمة الطاقة في أوروبا
أيضاً، لا يزال من غير الواضح عند أي نقطة ستكون شركات المرافق والحكومات الأوروبية مستعدة للمنافسة على إمدادات الشتاء. وفي مايو، قال مدير سوق الغاز في ألمانيا إنه لن يتدخل لإعادة ملء المخزونات، انطلاقاً من قناعته بأن الجهات الفاعلة في السوق الخاصة ستتولى ذلك في نهاية المطاف. وفي دول أخرى، مثل إيطاليا، وهولندا، بدأت الحكومات تقديم بعض الدعم، ما يزيد خطر احتدام المنافسة على الإمدادات داخل أوروبا.
كانت آخر مرة واجهت فيها أوروبا صعوبات مماثلة في إعادة بناء مخزوناتها بعد فترة وجيزة من تقليص روسيا إمدادات الغاز عبر خطوط الأنابيب في 2022. وتمكنت المنطقة من تجاوز ذلك الشتاء بفضل طقس معتدل على نحو استثنائي، لكن الرهان على تكرار ذلك ينطوي على مخاطر كبيرة.
قال كريس أوشيا، الرئيس التنفيذي لشركة “سنتريكا” (Centrica)، خلال اتصال مع الصحفيين عقب إعلان النتائج المالية يوم الخميس: “إذا لم يكن الشتاء دافئاً، فستكون هناك مشكلات، وستتفاقم هذه المشكلات بسبب انخفاض كميات الغاز والمخزونات”. وأضاف: “ليس من الجيد الاعتماد على شتاء دافئ بوصفه استراتيجية لإدارة المخاطر”.



