أخبار خاصة

من طريق الحرير إلى “IMEC”: لبنان يختار موقعه على خريطة النفوذ الاقتصادي الجديد

ناجي الخوري

قد يكون من المبكر القول إن لبنان دخل فعلياً في “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” (IMEC)، لكن من الصعب التعامل مع انضمام مرفأي بيروت وطرابلس إلى “نادي موانئ IMEC” كخطوة تقنية عابرة. فالمسألة تتجاوز المرافئ والحاويات إلى سؤال أكبر: أين يريد لبنان أن يتموضع في خريطة التجارة الدولية الجديدة، ومن أي بوابة سيدخل إلى الاقتصاد الإقليمي في مرحلة يعاد فيها رسم طرق النقل والطاقة وسلاسل الإمداد؟

الإعلان الذي وقع في نيودلهي في 6 تشرين الأول لا يجعل لبنان عضواً في الاتفاق الحكومي الأصلي للممر، لكنه يضع مرفأي بيروت وطرابلس داخل شبكة أوسع من الموانئ الراغبة في التعاون مع منظومة IMEC. فالمنصة الجديدة تركز على الربط وسلاسل الإمداد، وتسهيل التجارة، والرقمنة، وتبادل البيانات، والطاقة، وتطوير مشاريع تجريبية قابلة للتوسع.

هنا تبدأ أهمية الخطوة السياسية قبل الاقتصادية.
فـ”IMEC” ليس مجرد طريق لنقل البضائع. المشروع الذي أطلقته الهند والولايات المتحدة والسعودية والإمارات وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي في 2023، يقوم على تصور لشبكة متعددة الوسائط تربط الهند بالخليج ثم بالشرق الأوسط وأوروبا عبر النقل البحري والبري والسكك الحديدية والطاقة والاتصالات الرقمية، حيث تتعامل دراسات استراتيجية مع المشروع أيضاً باعتباره أحد البدائل التي يمكن أن تحد من الاعتماد على شبكات البنية التحتية المرتبطة بالمشروع الصيني “الحزام والطريق”.

من هذه الزاوية، فإن وصول بيروت وطرابلس إلى “نادي الموانئ” يحمل رسالة اقتصادية وجيوسياسية في الوقت نفسه: لبنان يحاول الانتقال من موقع المتلقي لتداعيات التحولات الإقليمية إلى موقع يستفيد من إعادة تشكيلها.

لكن المفارقة أن لبنان ليس على المسار الأصلي للممر. فالمسار الأساسي المقترح يصل الهند بالخليج، ثم يعبر السعودية والأردن باتجاه المتوسط، قبل الانتقال بحراً إلى أوروبا. أما بيروت وطرابلس فهما خارج الخط الأساسي، ما يجعل مشاركتهما أقرب إلى شبكة موانئ داعمة وبديلة ومتفرعة عن المنظومة، وليس بالضرورة محطة إلزامية على الطريق.

نقطة قد تتحول إلى فرصة، اذ ان التجارة العالمية بعد أزمات البحر الأحمر والحروب الإقليمية لم تعد تبحث فقط عن أقصر طريق، بل عن الطريق الأكثر مرونة وقدرة على امتصاص الصدمات، ما يفسر توسع الاهتمام بشبكة موانئ إضافية خارج الدول الأصلية للمشروع، اذ بحسب المبعوث الفرنسي الخاص بـIMEC، هناك اهتمام من دول وموانئ إضافية، بينها لبنان ومصر وعُمان واليونان وقبرص، في إطار توسيع الشبكة وجعلها أكثر قدرة على التعامل مع الانقطاعات والأزمات.
هكذا تحديداً يستطيع لبنان أن يبني حجته: بيروت وطرابلس ليستا منافستين للممر، بل يمكن أن تكونا صمامي أمان لوجستيين له.

اقتصادياً، إذا نجحت الدولة في استثمار هذه النافذة، فإن العائد لا يتوقف عند رسوم المرفأ. فالمطلوب تحويل المرفأين إلى منظومة متكاملة تشمل التخزين، وإعادة التصدير، والخدمات اللوجستية، والتأمين، والنقل البري، والصناعات الخفيفة، والخدمات الرقمية، وربطها بمناطق اقتصادية قادرة على استقطاب الشركات.

وهنا تبرز طرابلس بصورة خاصة، فمرفأ المدينة لا يملك فقط موقعاً جغرافياً مهماً، بل بات يتقاطع مع مشروع المنطقة الاقتصادية الخاصة في طرابلس، التي أعلنت في أيلول 2026 انتقالها إلى مرحلة تنفيذية مع موافقة مجلس الوزراء على دراسات مركز صناعي – لوجستي والسماح بالبدء بإجراءات اختيار مطور ومشغل دولي.
بمعنى آخر، يمكن للمسارين أن يلتقيا: مرفأ طرابلس + المنطقة الاقتصادية + شبكة IMEC = فرصة لبناء منصة شمالية للتجارة وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية.

أما بيروت، فميزتها تكمن في حجمها، وشبكة علاقاتها التجارية، وقربها من المركز الاقتصادي والمالي اللبناني، وقدرتها على خدمة السوق المحلية ومجموعة واسعة من الشركات والمستوردين والمصدرين.

غير أن الخطر يكمن في أن يتحول “نادي الموانئ” إلى نادي فرص ضائعة جديد إذا لم تترافق العضوية مع إصلاحات فعلية.
فالاقتصاد الدولي لا يختار الموانئ على أساس الموقع الجغرافي وحده. المستثمر يبحث عن زمن تخليص جمركي منخفض، واستقرار تشريعي، وكلفة نقل تنافسية، وطاقة موثوقة، ونظام رقمي، وقضاء فعال، وتمويل، وتأمين، وأمن للممرات التجارية.

لهذا فإن انضمام بيروت وطرابلس إلى النادي يضع الدولة أمام اختبار داخلي أكثر منه اختباراً خارجياً. فإذا كان لبنان يريد أن يصبح جزءاً من الشبكات التجارية الجديدة، فعليه أن يثبت أن مرافئه ليست مجرد نقاط رسو، بل منصات أعمال قادرة على المنافسة.

هنا يدخل ملف الإصلاح المالي والمصرفي مباشرة في المعادلة. فلا يمكن جذب استثمارات طويلة الأجل إلى قطاع لوجستي ضخم فيما البيئة المالية والقانونية لا تزال تحتاج إلى معالجة ملفات المصارف والفجوة المالية وإعادة هيكلة القطاع. كما أن التمويل الدولي للمشاريع الكبرى يحتاج إلى ثقة بالاقتصاد والدولة ومؤسساتها.

الأبعد من ذلك أن “IMEC” يفتح أمام لبنان احتمالاً استراتيجياً نادراً: أن يصبح الاقتصاد اللبناني جزءاً من التنافس بين نماذج الربط الاقتصادي العالمية، بدلاً من أن يبقى خارجها.

فالمعادلة لم تعد فقط “طريق الهند إلى أوروبا”، وإنما من يملك شبكات الموانئ والسكك والبيانات والطاقة التي ستحدد شكل التجارة في العقود المقبلة. وفي هذا السياق، يُقرأ IMEC على نطاق أوسع كأحد المشاريع التي يمكن أن تنافس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نفوذ شبكات “الحزام والطريق” الصينية في المنطقة.

هذا لا يعني أن على لبنان الاختيار الأيديولوجي بين واشنطن وبكين، بل أن المصلحة الاقتصادية اللبنانية تقتضي ألا يكون لبنان خارج أي شبكة قادرة على توليد استثمارات وتجارة وفرص عمل.

لكن النجاح يحتاج إلى استراتيجية وطنية واضحة: تحديث المرافئ، تطوير السكك والطرق، رقمنة الجمارك، توسيع المناطق اللوجستية، تفعيل المنطقة الاقتصادية في طرابلس، وربط المرافئ بشبكة نقل إقليمية، بالتوازي مع إصلاح مالي ومصرفي يعيد القدرة على تمويل الاقتصاد.

لذلك، فإن العنوان الحقيقي لانضمام بيروت وطرابلس ليس «لبنان دخل IMEC»، بل لبنان حصل على بطاقة دخول إلى غرفة يجري فيها رسم جزء من خريطة التجارة المقبلة.
أما تحويل البطاقة إلى استثمار، فمسؤولية بيروت.
فالفرصة هذه المرة ليست في أن يكون لبنان على الطريق …. بل في أن يصبح الطريق بحاجة إليه.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *