أخبار اقتصادية

“اقتصاد الاحتيال” يتجاوز حجم تجارة الكوكايين بفضل الذكاء الاصطناعي

تحولت مراكز الاحتيال الإلكتروني المرتبطة بشبكات إجرامية صينية خلال سنوات قليلة من مجمعات مغلقة في جنوب شرق آسيا إلى صناعة عالمية مرنة يصعب القضاء عليها، مدفوعة بأدوات الذكاء الاصطناعي والأسواق الرقمية السرية التي خفضت تكلفة الاحتيال ووسعت نطاقه إلى مستويات غير مسبوقة.

وكشفت مداهمة نفذتها الشرطة الكينية في نيروبي خلال يوليو عن هذا التحول. فعلى الرغم من أن المضبوطات بدت للوهلة الأولى مشابهة لما يعثر عليه في مراكز الاحتيال المنتشرة في جنوب شرق آسيا، فإن العملية كانت تقع على بعد آلاف الكيلومترات من تلك البؤر التقليدية. وبحسب المحققين، أدار المشتبه بهم مخططاً استثمارياً وهمياً استهدف ضحايا في الصين وهونغ كونغ وماليزيا مع غسل أموال عبر النظام المصرفي الكيني.

وأظهرت القضية اتجاهاً أوسع يتمثل في انتشار شبكات الاحتيال خارج المجمعات المحصنة في ميانمار وكمبوديا، واعتمادها على بنية رقمية يمكن شراؤها بالكامل تقريباً عبر الإنترنت. فبيانات الهوية المسروقة والحسابات الوهمية والمواقع المزيفة وبرامج الذكاء الاصطناعي وخدمات غسل الأموال باتت متاحة كسلع جاهزة، ما يسمح للعصابات بإعادة بناء عملياتها سريعاً بعد أي حملة أمنية، بحسب تحليل موسع أجرته وكالة “بلومبرغ”، واطلعت عليه “العربية Business”.

خسائر بمئات المليارات

قدر “التحالف العالمي لمكافحة الاحتيال” خسائر ضحايا الاحتيال بنحو 442 مليار دولار خلال العام الماضي، وهو رقم يتجاوز بعض التقديرات الخاصة بحجم تجارة الكوكايين العالمية. ولم تعد الأضرار تقتصر على الضحايا الأفراد، بل امتدت إلى البنوك وشركات التكنولوجيا والاتصالات التي تواجه ضغوطاً متزايدة لتحمل جزء من تكلفة مكافحة هذه الجرائم.

وساهمت الأسواق السرية العاملة عبر منصات التواصل الاجتماعي في تسريع انتشار الظاهرة. إذ بات بإمكان المحتالين استئجار أدوات استغلال إلكترونية مقابل نحو 500 دولار شهرياً، بينما يمكن إرسال رسائل جماعية إلى عشرة آلاف بريد إلكتروني مقابل دولار واحد فقط.

وانخفضت تكلفة خدمات التصيد الإلكتروني الأساسية إلى أقل من 100 دولار في بعض الحالات، فيما أصبحت المواقع المزيفة تنشأ خلال دقائق باستخدام حسابات مجانية ومنصات تطوير شرعية وأدوات ذكاء اصطناعي تولد الأكواد البرمجية تلقائياً.

“أمازون” للجريمة المنظمة

من جانبها، كشفت شركة “تشيناليسيس” لتحليل بيانات البلوك تشين عن شبكة معقدة كانت تعمل عبر منصة صينية تعرف باسم “شينبي غارنتي”، والتي عالجت معاملات تقدر قيمتها بنحو 24 مليار دولار قبل أن تغلقها السلطات الأميركية.

وأظهرت التحقيقات أن المنصة كانت تؤدي دور سوق متكامل للخدمات الإجرامية، إذ تربط المشترين ببائعين يوفرون بيانات شخصية مسروقة وبرامج التزييف العميق وتسجيل الحسابات وتطوير المواقع وخدمات غسل الأموال، وكأنها متجر إلكتروني متكامل لإطلاق عملية احتيال من الصفر.

ودفعت بعض الجهات مئات الدولارات لشراء بيانات مسروقة، بينما أنفق آخرون آلاف الدولارات على برامج الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق المستخدمة في انتحال الشخصيات وإنشاء محتوى مقنع للضحايا.

من “الأمير النيجيري” إلى الذكاء الاصطناعي

تطورت الصناعة كثيراً منذ رسائل “الأمير النيجيري” الشهيرة مطلع الألفية. فبدلاً من الرسائل العشوائية، تستخدم الشبكات اليوم البيانات المسروقة لتحديد الضحايا بدقة عبر “فيسبوك” و”واتساب”، ثم تستعين بنصوص مولدة بالذكاء الاصطناعي ومواقع تصيد احترافية وشبكات غسل أموال عابرة للحدود.

ولم تعد العمليات تستهدف دولة أو لغة واحدة. فالعصابات التي كانت تركز سابقاً على الضحايا الصينيين باتت تدير حملات متزامنة ضد جنسيات متعددة، تشمل عروضاً استثمارية مزيفة وفواتير وهمية وسرقة بيانات مصرفية وعمليات ابتزاز عاطفي ومكالمات انتحال جهات رسمية، بل ورسائل مصممة وفق معتقدات دينية محددة.

تفكك مدن الاحتيال

أدت الضغوط الأمنية في كمبوديا وميانمار إلى تفكيك جزء من المجمعات الضخمة التي اشتهرت باستضافة آلاف العاملين في الاحتيال الإلكتروني، إلا أن ذلك لم يقض على الصناعة.

وبدلاً من العمل داخل مدن ومجمعات مغلقة، بدأت الشبكات الانتقال إلى شقق سكنية وغرف فنادق ومركبات متنقلة، معتمدة على فرق أصغر وأكثر مرونة يصعب رصدها. كما توسعت نحو أسواق جديدة في أفريقيا وسريلانكا ودبي وألبانيا وأوكرانيا.

وأظهرت بيانات قدمتها الإنتربول أن عدد الجنسيات التي جرى رصدها داخل مراكز الاحتيال ارتفع إلى 89 جنسية، بزيادة تتجاوز خمسة أضعاف مقارنة ببداية عام 2023، ما يعكس الطابع العالمي المتزايد لهذه الصناعة.

معركة خاسرة لشركات التكنولوجيا؟

واجهت شركات التكنولوجيا تحدياً متصاعداً مع استخدام منصاتها لاستهداف الضحايا. وأزالت شركة “ميتا” أكثر من 16 مليون حساب مرتبط بمراكز احتيال إجرامية منذ العام الماضي، إضافة إلى حذف عشرات الملايين من الإعلانات الاحتيالية عبر “فيسبوك” و”إنستغرام”.

لكن المشكلة تكمن في سرعة إعادة الإنتاج. فكلما أغلق حساب أو موقع إلكتروني، تظهر بدائل جديدة خلال ساعات مستفيدة من أدوات رخيصة وسهلة الاستخدام. وتتيح تطبيقات الذكاء الاصطناعي اليوم إنشاء صفحة مصرفية مزيفة أو موقع احتيالي كامل خلال دقائق ومن دون أي خبرة برمجية تقريباً.

سباق بين المحتالين والحكومات

دفعت المخاطر المتنامية الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات المالية إلى تكثيف التعاون العابر للحدود. وشهدت الأشهر الأخيرة عمليات مشتركة ضمت “ميتا” و”مايكروسوفت” و”كوين بيز” و”ستارلينك” إلى جانب وزارة العدل الأميركية وأجهزة أمنية من عدة دول.

ورغم ذلك، يؤكد خبراء مكافحة الجرائم الإلكترونية أن البنية التحتية الإجرامية تتجدد بوتيرة أسرع من قدرة الحكومات على التنسيق القانوني والمالي عبر الحدود.

وتشير الأرقام إلى أن أكثر من نصف البالغين حول العالم تعرضوا لمحاولة احتيال واحدة على الأقل، بينما باتت البنوك وشركات الاتصالات مطالبة بشكل متزايد بتعويض الضحايا وتحمل جزء من التكلفة المالية للجرائم.

اقتصاد عالمي جديد للجريمة

تكشف التحولات الأخيرة أن الاحتيال الإلكتروني لم يعد مجرد نشاط إجرامي هامشي، بل أصبح صناعة عالمية متكاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي والعملات المشفرة والاتجار بالبشر وغسل الأموال. ومع انخفاض تكلفة الأدوات وارتفاع العوائد، تبدو هذه الصناعة أكثر قدرة على التوسع والتكيف من أي وقت مضى.

وفي الوقت الذي يشتد فيه سباق الذكاء الاصطناعي بين الشركات والدول، تستفيد شبكات الاحتيال من التكنولوجيا نفسها لبناء اقتصاد إجرامي عابر للحدود، تتزايد قيمته وخطورته بوتيرة تجعل مكافحته واحدة من أعقد التحديات الأمنية والاقتصادية في العالم الرقمي.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *