ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية، إن أوروبا تقترب من حرب تجارية مع الصين بسبب تدفق السلع الرخيصة التي تهدد قطاع التصنيع في القارة؛ ما جعل البحث عن حلول أكثر إلحاحًا.
وبحسب تقرير الصحيفة، فإن الاتحاد الأوروبي يقترب من مرحلة أكثر حساسية في علاقته الاقتصادية مع الصين، مع تصاعد المخاوف داخل العواصم الأوروبية من تدفق السلع الصينية منخفضة التكلفة إلى الأسواق المحلية، وما قد يترتب على ذلك من ضغوط متزايدة على القطاع الصناعي الأوروبي.
ويأتي هذا التحول في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل الاتحاد الأوروبي لإعادة النظر في طبيعة العلاقات التجارية مع بكين، وسط قناعة متنامية بأن الاختلالات التجارية الحالية لم تعد مجرد قضية اقتصادية عابرة، بل باتت تمثل تحديًا إستراتيجيًّا طويل الأمد لقدرة القارة على الحفاظ على قاعدتها الصناعية ومكانتها التنافسية عالميًّا.
تدفق الواردات الصينية يفاقم المخاوف الأوروبية
تنظر بروكسل بقلق متزايد إلى الارتفاع الكبير في الصادرات الصينية نحو الأسواق الأوروبية خلال الأشهر الأخيرة، بعدما عززت بكين اعتمادها على القطاع الصناعي والصادرات لدعم النمو الاقتصادي في مواجهة التباطؤ الداخلي وأزمة العقارات المستمرة.
وأوضحت “نيويورك تايمز” أن بيانات الربع الأول من عام 2026 أظهرت اتساع الفجوة التجارية بين الاتحاد الأوروبي والصين إلى مستويات قياسية، مدفوعة بشكل رئيسي بزيادة صادرات السيارات الكهربائية الصينية إلى أوروبا، في وقت يواجه فيه المصنعون الصينيون تباطؤًا في الطلب المحلي ويسعون إلى التوسع الخارجي.
كما أسهمت الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الوقود في زيادة جاذبية السيارات الكهربائية منخفضة التكلفة لدى المستهلك الأوروبي؛ ما منح الشركات الصينية فرصة إضافية لتعزيز حضورها داخل السوق الأوروبية.
ونقلت الصحيفة عن جيرومين زيتلماير، مدير مركز “بروغل” للأبحاث الاقتصادية في بروكسل، قوله إن المخاوف داخل أوروبا باتت تتجاوز الاعتبارات التجارية التقليدية، مع تنامي الحديث عن مخاطر حقيقية تهدد مستقبل قطاعات صناعية كاملة إذا استمرت الاتجاهات الحالية دون تدخل فعال.
ألمانيا تواجه ضغوطًا متزايدة على صناعاتها الرئيسية
تبرز ألمانيا بوصفها إحدى أكثر الدول الأوروبية تعرضًا لتداعيات التحولات الجارية، نظرًا لاعتماد اقتصادها بصورة كبيرة على قطاعات الصناعة والسيارات والكيماويات.
ووفقًا للتقرير، تواجه الشركات الألمانية منافسة متزايدة من المصنعين الصينيين داخل أوروبا وخارجها، بينما تتراجع قدرتها على تحقيق النمو في السوق الصينية التي شكلت لعقود أحد أهم محركات الأرباح للصناعة الألمانية.
ويثير هذا الوضع مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الوظائف والاستثمارات الصناعية، خاصة في ظل استمرار تدفق المنتجات الصينية المدعومة إلى الأسواق الأوروبية بأسعار يصعب على المنتجين المحليين منافستها.
ويرى عدد من صناع القرار الأوروبيين أن المشكلة لا ترتبط فقط بانخفاض أسعار المنتجات الصينية، بل أيضًا بالدعم الحكومي الواسع الذي تحصل عليه الشركات والمصانع في الصين؛ ما يمنحها مزايا تنافسية يصعب على الشركات الأوروبية مجاراتها ضمن قواعد السوق التقليدية.
دعوات أوروبية لتشديد أدوات الحماية التجارية
مع تزايد الضغوط على الصناعات الأوروبية، بدأت أصوات سياسية بارزة تدعو إلى تبني سياسات أكثر حزمًا لحماية القطاعات الإستراتيجية.
وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا الاتحاد الأوروبي إلى تطوير أدوات صناعية وتجارية مشابهة لتلك التي تستخدمها الولايات المتحدة لحماية قطاعاتها الحيوية، بينما طالب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الصين بفتح أسواقها بصورة أكبر لتجنب اضطرار أوروبا إلى اتخاذ إجراءات دفاعية إضافية.
وفي هذا السياق، أعدت إسبانيا وفرنسا وإيطاليا وليتوانيا وهولندا وثيقة مشتركة تدعو إلى تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي على مواجهة ما وصفته بفائض الطاقة الإنتاجية الهيكلي لدى بعض الشركاء التجاريين، في إشارة تعكس القلق الأوروبي المتزايد من السياسات الصناعية الصينية.
كما يناقش الاتحاد الأوروبي مشروع “قانون تسريع الصناعة”، الذي يهدف إلى دعم التصنيع المحلي وإعادة بناء القاعدة الصناعية الأوروبية، مع تقليص قدرة الشركات الأجنبية، بما فيها الشركات الصينية، على الاستفادة من بعض برامج الدعم والحوافز الأوروبية.
بكين ترد وتلوّح بإجراءات مضادة
في المقابل، تنظر الصين إلى التحركات الأوروبية باعتبارها خطوات حمائية تستهدف نجاحها الصناعي، وقد حذرت مرارًا من أنها سترد على أي إجراءات ترى أنها تضر بمصالحها الاقتصادية.
ولفتت “نيويورك تايمز” إلى أن بكين استخدمت بالفعل أدوات ضغط تجارية خلال العام الماضي عندما فرضت قيودًا على صادرات المعادن النادرة والمغناطيسات المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة؛ ما تسبب في اضطرابات لسلاسل التوريد العالمية وأثار قلقًا واسعًا داخل أوروبا.
وكشفت تلك التطورات حجم الاعتماد الأوروبي على المواد والمكونات الصينية في عدد من القطاعات الحيوية، وهو ما دفع العديد من الشركات الأوروبية إلى إعادة تقييم إستراتيجياتها الخاصة بسلاسل الإمداد.
وفي نيسان الماضي، أعلنت الصين قواعد جديدة تمنح السلطات صلاحيات واسعة لفحص سجلات الشركات واستجواب الموظفين وحتى منع بعض التنفيذيين من مغادرة البلاد إذا اعتُبروا مشاركين في نقل سلاسل التوريد إلى خارج الصين.
ونقلت الصحيفة عن تقييم صادر عن غرفة التجارة الأوروبية في الصين أن هذه الإجراءات قد تلحق أضرارًا غير مسبوقة بالمصالح الاقتصادية الأوروبية العاملة داخل السوق الصينية، وتزيد حالة عدم اليقين التي تواجهها الشركات الأجنبية.
معادلة صعبة بين الحماية والتعاون
رغم تصاعد الخطاب الأوروبي تجاه الصين، لا تزال بروكسل تدرك أن تقليص الاعتماد على ثاني أكبر شريك تجاري لها لن يكون مهمة سهلة.
فالعديد من الحكومات الأوروبية تخشى أن تؤدي أي مواجهة تجارية واسعة إلى ردود فعل صينية قد تؤثر في صادرات الشركات الأوروبية واستثماراتها داخل الصين، بينما يواصل المستهلكون الأوروبيون الإقبال على المنتجات الصينية بسبب أسعارها التنافسية.
ورأت نيويورك تايمز أن الاتحاد الأوروبي يقف اليوم أمام معادلة معقدة؛ إذ يسعى إلى حماية قاعدته الصناعية وتقليل اعتماده على الصين، من دون الانزلاق إلى مواجهة اقتصادية شاملة قد تفرض تكاليف كبيرة على الشركات والمستهلكين في القارة.
ومع اقتراب اجتماعات مجموعة السبع والقادة الأوروبيين خلال الأسابيع المقبلة، يبدو أن ملف العلاقات التجارية مع الصين سيتحول إلى أحد أبرز الملفات الاقتصادية والإستراتيجية على أجندة القارة خلال المرحلة المقبلة.



