كشفت مصادر مطّلعة على مداولات مصرف لبنان أن النقاشات التي جرت في إطار اللجنة الوزارية المصغّرة، بمشاركة رئيس مجلس الوزراء ووزيري المالية والاقتصاد وحاكم مصرف لبنان، كانت قد أفضت إلى توافق واضح بشأن المادة الثالثة من قانون إعادة هيكلة المصارف.
وأوضحت المصادر أن الصيغة المطروحة آنذاك، والتي حظيت بموافقة صندوق النقد الدولي، كانت تتضمّن إحالة صريحة إلى « قانون النقد والتسليف ». وبناءً على إصرار حاكم مصرف لبنان على ضرورة صون المرجعية القانونية للهيئة المصرفية العليا، اقترح رئيس مجلس الوزراء، منعاً لأي التباس، *أن تتضمّن المادة إشارة محدّدة إلى المادة 70 من قانون النقد والتسليف*. وحظي هذا الاقتراح بموافقة جميع المشاركين، بمن فيهم وزيرا المالية والاقتصاد وحاكم مصرف لبنان.
وأضافت المصادر أن وزير المالية وحاكم مصرف لبنان نقلا هذا التوافق الحكومي إلى لجنة المال والموازنة النيابية، التي اعتمدته في الصيغة التي أحالتها إلى الهيئة العامة لمجلس النواب.
المفاجأة وقعت خلال الجلسة التشريعية، حيث عمد بعض النواب إلى الانقلاب على التفاهم الذي جمع الحكومة ومصرف لبنان ولجنة المال والموازنة، فلم يكتفوا بحذف الإشارة إلى المادة 70، بل أزالوا أيضاً *كل إحالة إلى قانون النقد والتسليف*، بما قطع الصلة التشريعية بين القانون الخاص بإعادة هيكلة المصارف والقانون الأم الذي تستمدّ منه الهيئة المصرفية العليا وجودها وموقعها المؤسسي ضمن منظومة مصرف لبنان.
وختمت المصادر بالتأكيد أن هذه الوقائع تفسّر جوهر المراجعة الدستورية التي تقدّم بها رئيس الجمهورية، والتي لا تستهدف قانون إعادة هيكلة المصارف ولا تعرقل الإصلاح المصرفي، بل ترمي إلى *تصحيح خلل تشريعي طرأ في اللحظات الأخيرة من إقرار القانون، وإعادة الاعتبار إلى المرجعية القانونية والمؤسسية التي جرى التوافق عليها بين السلطات المعنية*.
فالمسألة، في جوهرها، ليست خلافاً على الإصلاح، بل خلاف على احترام الأصول والتوازنات القانونية التي ينبغي أن يقوم عليها.
يثير الجدل الدائر حول مراجعة رئيس الجمهورية للمجلس الدستوري بشأن قانون إعادة هيكلة المصارف تساؤلات تتجاوز مضمون القانون نفسه، لتلامس طبيعة العلاقة بين السلطات وحدود احترام الصلاحيات التي كفلها الدستور لكل منها.
فمن حق الوزراء والنواب وسائر المعنيين الاعتراض على الحجج القانونية التي تستند إليها المراجعة، ومناقشة مدى صحتها. غير أن الاعتراض على ممارسة رئيس الجمهورية حقه الدستوري في المراجعة يختلف جذرياً عن مناقشة موضوعها. فهذه الصلاحية ليست مستمدة من موافقة الحكومة أو الأكثرية النيابية، بل من الدستور مباشرة.
ولا تختلف هذه القاعدة عن تلك التي تحكم صلاحيات رئيس الحكومة في ترؤس مجلس الوزراء، أو صلاحيات رئيس مجلس النواب في إدارة أعمال السلطة التشريعية. فالمبدأ الدستوري واحد، ولا تتبدل مشروعية الصلاحيات تبعاً لهوية من يمارسها أو لمدى توافق ممارستها مع الخيارات السياسية السائدة.
ولعل المفارقة الأبرز تَكمَنُ في أن رئيس الجمهورية، المؤتمن بحكم موقعه وقسمه على احترام الدستور، يجد نفسه موضع انتقاد عندما يلجأ إلى إحدى الوسائل التي وضعها الدستور في تصرفه للتحقق من سلامة التشريع.
أما في جوهر المراجعة المتعلقة بقانون إعادة هيكلة المصارف، فلا بد من التمييز بين الاعتراض على الإصلاح المصرفي والاعتراض على مسألة قانونية محددة ضمن التشريع الذي ينظمه.
فالمراجعة لا تستهدف إلغاء مبدأ إعادة هيكلة المصارف أو عرقلة إعادة تنظيم القطاع، وإنما تثير مسألة تتصل بأحد أحكام القانون، وبمدى تطابق النص الصادر مع الصيغة التي وافق عليها مجلس النواب.
وإذا تبيّن وجود اختلاف جوهري بين الصيغتين، فإن المسألة تتجاوز مضمون السياسة المصرفية إلى احترام إرادة السلطة التشريعية وسلامة الإجراءات التي تمنح القانون شرعيته. وفي هذه الحالة، لا يكون الاحتكام إلى المجلس الدستوري انتقاصاً من سلطة البرلمان، بل ضمانة لاحترامها.
لكن النقاش يكشف أيضاً عن إشكالية مؤسساتية أخرى تتصل بموقع مصرف لبنان في المنظومة المصرفية والرقابية، وبالعلاقة بين مجلسه المركزي والهيئات المتخصصة التي تتولى اختصاصات محددة بموجب القانون.
فـ“قانون النقد والتسليف” أقام بُنية مؤسساتية تتوزع ضمنها المسؤوليات والاختصاصات. وأي تعديل لهذه البنية يستوجب مراعاة وحدة القرار النقدي والرقابي، واستقلالية المصرف المركزي، ووضوح المسؤولية القانونية عن القرارات المتخذة.
ولا يتعلق الأمر بحماية صلاحيات الحاكم الشخصية، بل بالمحافظة على الدور القانوني للمجلس المركزي باعتباره هيئة جماعية تمارس اختصاصاتها وفق الأصول. كما أن تعزيز الهيئات المتخصصة وتنظيم عملها لا يستلزمان بالضرورة نقل الصلاحيات الأساسية للمجلس المركزي إليها أو إضعاف موقعه في المنظومة المؤسسية.
ومن هنا، ينبغي الفصل بين هدفين مختلفين: إعادة بناء قطاع مصرفي قادر على استعادة الثقة والوفاء بالتزاماته تجاه المودعين، وإعادة النظر في توزيع السلطات داخل مصرف لبنان. فلكل منهما مقتضياته القانونية والمؤسساتية، ولا يجوز معالجة الثاني بصورة عرضية تحت عنوان الأول.
وفي ضوء ذلك، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الجدل السياسي المحيط بالمراجعة يعكس خلافاً قانونياً حول مادة تشريعية محددة، أم خلافاً أوسع بشأن حدود صلاحيات رئاسة الجمهورية ومستقبل البنية المؤسسية للمصرف المركزي.
والإجابة عن هذه التساؤلات لا تكون بتبادل الاتهامات أو بإضفاء طابع سياسي على ممارسة الحقوق الدستورية، بل بمناقشة النصوص والحجج القانونية أمام المرجع المختص.
فمن حق الجميع الاختلاف مع رئيس الجمهورية في تفسيره للدستور، كما أن من حق الرئيس اللجوء إلى المجلس الدستوري. أما الكلمة الفصل في دستورية الأحكام المطعون فيها، فتبقى لهذا المجلس وحده.
إن احترام المؤسسات لا يتجزأ، والإصلاح لا يبرّر تجاوز الضمانات الدستورية، كما أن إعادة تنظيم السلطات لا ينبغي أن تؤدي إلى إضعاف استقلالية المؤسسات أو تشتيت مسؤولياتها.
وفي النهاية، لا تُقاس جدية الإصلاح بسرعة إقرار التشريعات أو بحجم التأييد السياسي لها، بل بسلامة أسسها الدستورية، وتماسك بنيتها القانونية، وقدرتها على تعزيز المؤسسات التي يُراد إصلاحها.
فالدولة التي تسعى إلى استعادة انتظام مؤسساتها لا تستطيع أن تجعل من الاحتكام إلى الدستور موضع خصومة، ولا من الإصلاح مبرراً لإعادة رسم الصلاحيات خارج مقتضيات الشرعية الدستورية.





