ناجي الخوري
من بيروت وطرابلس إلى اللاذقية وطرطوس، تتقدم فرضية بناء شبكة لوجستية إقليمية قادرة على استقطاب حركة التجارة وإعادة توزيعها. لكن نجاحها لا يتوقف على الجغرافيا وحدها، بل على السياسة والبنية التحتية والتمويل، وعلى موقع مرفأ حيفا في المشاريع التي تعيد رسم خريطة الربط بين آسيا وأوروبا.
فموانئ شرق المتوسط لم تعد مجرد بوابات لعبور البضائع، بل تحولت إلى أوراق استراتيجية في التنافس على خطوط التجارة العالمية، وممرات الطاقة، وسلاسل الإمداد التي باتت أكثر عرضة للاضطرابات والحروب والعقوبات وتبدل الحسابات الجيوسياسية. من هذا المنطلق، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن لمرافئ بيروت وطرابلس واللاذقية وطرطوس أن تشكل منظومة اقتصادية متكاملة، بدلاً من أن يخوض كل منها معركة منفردة لاستقطاب السفن والاستثمارات؟ وهل يملك لبنان، في ظل توجهه نحو مشاريع الربط بين الهند وأوروبا، فرصة للتحول إلى عقدة لوجستية إقليمية، أم أن هذا الطموح يصطدم بواقع الممرات المنافسة، وفي مقدمها مرفأ حيفا؟
من الناحية الاقتصادية، تبدو فرضية التكامل منطقية، لكنها ليست حقيقة تلقائية. فالموانئ الأربعة تقع ضمن حيز جغرافي متقارب نسبياً، وتخدم أسواقاً مختلفة ومتداخلة، ويمكنها نظرياً توزيع الأدوار وفق قدراتها الاستيعابية، ونوعية البضائع، والاتصال بشبكات النقل البرية والبحرية. إلا أن تحويل هذا التقارب الجغرافي إلى منظومة متكاملة يتطلب اتفاقاً على المصالح، واستثمارات متزامنة، وبيئة سياسية وأمنية تسمح بحركة السلع والأشخاص ورؤوس الأموال.
في هذا الاطار يمتلك مرفأ بيروت خبرة تاريخية في خدمات الترانزيت والتجارة وإدارة الحاويات، ويرتبط بالسوق البنانية وبشبكات تجارية وخدمات مالية وتأمينية. أما مرفأ طرابلس، فيمكن أن يؤدي دوراً مكملاً، ولا سيما في خدمة شمال لبنان والأسواق المجاورة، شرط تطوير قدراته التشغيلية وربطه بشبكات نقل بري وسككي أكثر كفاءة. وفي المقابل، تتمتع اللاذقية وطرطوس بموقع يخدم الساحل السوري والاقتصاد السوري، ويمكن أن تكتسبا أهمية إضافية مع إعادة الإعمار، إذا توافرت الاستثمارات والضمانات القانونية والتمويلية اللازمة.
هكذا، فإن توزيع الوظائف بين هذه المرافئ، بدلاً من دفعها إلى التنافس على النوع نفسه من الشحنات، قد يخلق قيمة مضافة تتجاوز مجموع قدراتها المنفردة. لكن هذا السيناريو يفترض وجود خطوط نقل موثوقة، وإجراءات جمركية متوافقة، وتبادل للمعلومات، وتسهيلات لعبور الشاحنات، فضلاً عن معالجة العقبات المرتبطة بالعقوبات والتمويل والتأمين. ومن دون ذلك، يبقى الحديث عن منظومة واحدة أقرب إلى تصور اقتصادي واعد منه إلى مشروع قابل للتنفيذ الفوري.
نقاش ما سبق اكتسب بعداً جديداً مع توقيع إدارتي مرفأي بيروت وطرابلس، في 6 تشرين الأول 2026، الإعلان المشترك الخاص بـ«نادي موانئ» الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، خلال اجتماع في نيودلهي. وتفتح هذه الخطوة نافذة أمام المرفأين اللبنانيين للتعاون وتبادل الخبرات وتطوير الربط اللوجستي، لكنها لا تعني أن لبنان أصبح تلقائياً جزءاً من المسار الأساسي للممر، أو أن حركة التجارة فيه ستعبر حكماً عبر المرافئ اللبنانية.
هنا تكمن المسافة بين الإنجاز السياسي والعائد الاقتصادي. فالانضمام إلى منصة تعاون يمنح لبنان فرصة الحضور في النقاشات المتعلقة بمستقبل التجارة الإقليمية، لكنه لا يضمن عقوداً تجارية أو استثمارات أو حصصاً إضافية من حركة الحاويات. ويتطلب تحويل هذه الفرصة إلى مكاسب فعلية تحديث البنية التحتية، وتطوير المناطق اللوجستية، وتسهيل الإجراءات الجمركية، وتحسين الربط مع الداخل اللبناني والأسواق المجاورة.
أما مرفأ حيفا، فيحتل موقعاً مختلفاً في المعادلة. فالتصور الأساسي لممر IMEC يقوم على نقل البضائع بحراً من الهند إلى الخليج، ثم براً عبر السعودية والأردن وإسرائيل، وصولاً إلى حيفا، ومنها بحراً إلى أوروبا. وبذلك، لا يمثل المرفأ الإسرائيلي منافساً تقليدياً فحسب، بل يشكل إحدى العقد المركزية في المسار المعلن للمشروع.
هذا يفرض على لبنان قراءة دقيقة للفرصة المتاحة: فهل يسعى إلى أن يكون مكملاً للممر عبر خطوط تغذية وخدمات لوجستية إضافية، أم يطمح إلى استقطاب جزء من الحركة التي يمكن أن تمر عبر حيفا؟ الاحتمالان مختلفان في متطلباتهما وتداعياتهما السياسية، ولا يمكن افتراض تحققهما معاً بصورة تلقائية، خصوصاً في ظل النزاع اللبناني الإسرائيلي وغياب العلاقات الطبيعية بين البلدين.
في المقابل، لا يصح النظر إلى مرافئ لبنان وسوريا باعتبارها كتلة اقتصادية واحدة قبل توافر شروط التعاون الفعلي. فالموانئ الأربعة تتنافس بالفعل على بعض أنواع الشحنات والاستثمارات وخطوط الملاحة، حتى لو كانت قادرة على التكامل في مجالات أخرى. وقد يكون مرفأ طرابلس بوابة لشحنات متجهة إلى شمال سوريا، فيما يخدم مرفأ بيروت أسواقاً وخدمات مختلفة، لكن تحديد هذه الأدوار يحتاج إلى دراسات جدوى وحسابات للكلفة والوقت والقدرة التشغيلية.
كذلك، فإن أي تصور لشبكة إقليمية تضم المرافئ الأربعة يصطدم بعوامل سياسية وأمنية، وبحاجة سوريا إلى إعادة تأهيل بنيتها التحتية واستعادة قدرتها على الاندماج في شبكات التجارة والتمويل. ويظل نجاح الربط البري عبر الحدود شرطاً أساسياً، إذ لا تكفي الأرصفة الحديثة إذا كانت الشاحنات تواجه تأخيرات مكلفة أو إذا كانت أنظمة الجمارك والتأمين والعبور غير متوافقة.
أما الاضطرابات التي تضرب طرق الشحن العالمية، فتمنح هذه الفكرة أهمية إضافية. فتنويع المسارات يحد من الاعتماد على نقاط الاختناق، ويتيح للتجار خيارات بديلة عند تعطل أحد الممرات. غير أن بناء هذه البدائل يحتاج إلى استثمارات ضخمة واتفاقات سياسية طويلة الأمد، ولا يكفي التقارب الجغرافي وحده لجعلها منافسة للمسارات القائمة.
استنادا لما تقدم لا يحتاج شرق المتوسط بالضرورة إلى مرفأ منتصر وآخر خاسر، بل إلى شبكة قادرة على توزيع الأدوار وتقليص كلفة النقل ورفع موثوقية الإمدادات. ويملك لبنان فرصة لاستعادة جزء من دوره التجاري، لكن عضويته في نادي موانئ IMEC ليست نهاية الطريق، بل اختبار لبناء استراتيجية اقتصادية واضحة. فإما أن يحول مرفآه إلى عقدتين فعليتين ضمن شبكة إقليمية متصلة، وإما أن يبقى حاضراً على خرائط المشاريع، فيما تمر القيمة المضافة والاستثمارات الكبرى عبر مرافئ أخرى، وفي مقدمها حيفا.






