أخبار خاصة

سعيد في الرابطة المارونية…. الحاكم يرفع السقف

ناجي الخوري

في لحظة اقتصادية وسياسية حساسة يمرّ بها لبنان، يكتسب أي خطاب صادر عن رأس السلطة النقدية في البلاد دلالات تتجاوز حدود المناسبة البروتوكولية، ليصبح بمثابة “بيان اتجاه” يعكس موقع الدولة من مسار الإصلاحات الجارية، واحتمالات إعادة الاندماج في النظام المالي الدولي.

في هذا السياق، جاء كلام حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، من الرابطة المارونية، ليشكّل محاولة واضحة لإعادة تعريف وظيفة البنك المركزي وحدود دوره، وفي الوقت نفسه رسم خطوط فاصلة بين ما يعتبره انضباطًا نقديًا ضروريًا، وبين ما يصفه بالتمويل السياسي غير المنضبط الذي أوصل البلاد إلى الانهيار المالي.

خطاب لا يمكن قراءته بمعزل عن النقاش المفتوح مع صندوق النقد الدولي، إذ يبدو أن اللغة المستخدمة فيه تقترب بشكل ملحوظ من المفردات التي يعتمدها الصندوق في تشخيص الأزمة اللبنانية. فالإشارات المتكررة إلى “الانضباط النقدي”، و”منع التمويل التضخمي”، و”رفض تمويل العجز الهيكلي عبر الإصدار النقدي”، تعكس انتقالًا في الخطاب الرسمي من مرحلة التوصيف العام للأزمة إلى مرحلة تبنّي مفاهيم معيارية يستخدمها صندوق النقد الدولي كمدخل لأي برنامج دعم مالي.
بهذا المعنى، لا يعود الخطاب مجرد توصيف للأزمة، بل يصبح جزءًا من عملية تمهيد سياسي – تقني لإعادة إدماج لبنان في منظومة شروط الإصلاح الدولية.

في المقابل، يعيد حاكم مصرف لبنان كريم سعيد التأكيد على موقع مصرف لبنان كمؤسسة يفترض أن تبقى خارج منطق الصراع السياسي اليومي، وكمؤسسة “قادرة على قول لا” عندما تتعارض السياسات الحكومية مع الاستقرار النقدي. طرح، وإن بدا تقنيًا في ظاهره، يحمل في طياته إعادة صياغة لمفهوم السيادة النقدية داخل الدولة اللبنانية، حيث يُراد للمصرف المركزي أن يتحول إلى سلطة توازن داخل النظام الاقتصادي، لا مجرد أداة تنفيذية لتمويل الإنفاق العام.
طرح يتقاطع بوضوح مع شروط صندوق النقد التي تعتبر استقلالية المصارف المركزية عنصرًا جوهريًا في أي خطة إنقاذ مالي.

لكن الأهم في الخطاب ليس فقط ما قاله عن الاستقلالية، بل ما لمّح إليه حول طبيعة الأزمة نفسها، فهو ذهب سعيد إلى القول إن لبنان لم يفشل بسبب غياب القوانين، بل بسبب “التوقف التدريجي عن احترامها”. هذه المقاربة تعكس تحولًا في التشخيص من أزمة نصوص إلى أزمة تطبيق، ومن خلل تشريعي إلى خلل في الحوكمة والانضباط المؤسسي. وهي نقطة مركزية في أدبيات صندوق النقد، الذي غالبًا ما يربط أزمات الدول النامية ليس بنقص التشريعات، بل بضعف الالتزام بها وبغياب آليات التنفيذ الفعّال.

كذلك، يكتسب ملف “الودائع” موقعًا محوريًا في الخطاب، خصوصًا مع الإشارة إلى ضرورة حماية صغار المودعين، وتحميل الخسائر بشكل عادل بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف التجارية. طرح يعكس عمليًا الدخول في جوهر النقاش الأكثر حساسية في الأزمة اللبنانية، أي كيفية توزيع الخسائر المالية التي تراكمت خلال سنوات من السياسات النقدية غير المستدامة.

هنا تحديدًا يتقاطع الخطاب مع أحد أعقد شروط أي اتفاق محتمل مع صندوق النقد، والمتعلق بوضع إطار قانوني واضح لتوزيع الخسائر وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

في الوقت نفسه، يلفت الخطاب إلى أن الإصلاحات الجارية، ومنها تعديل قانون السرية المصرفية وإعادة هيكلة المصارف، ليست مجرد خطوات تقنية، بل جزء من مسار أوسع لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. بعد يعكس إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسات النقدية اللبنانية بأن الأزمة الحالية ليست أزمة سيولة فقط، بل أزمة ثقة شاملة تطال النظام المالي برمته. فالثقة، في الاقتصاد السياسي، ليست عنصرًا ثانويًا، بل هي شرط أساسي لعودة الدورة المالية الطبيعية ولجذب أي تدفقات استثمارية أو دعم خارجي.

مع ذلك، وعلى الرغم من التقاطع الواضح في اللغة والمفاهيم بين الخطاب اللبناني والمرجعية الدولية، يبقى السؤال الأساسي مفتوحًا حول ما إذا كان هذا التحول في الخطاب يعكس تقدمًا فعليًا في مسار التفاوض مع صندوق النقد، أم أنه لا يزال في إطار “التقارب النظري” دون ترجمة عملية على مستوى القرارات السياسية والمالية الحاسمة.

فالتجربة اللبنانية السابقة أظهرت أن الانتقال من التفاهم التقني إلى الاتفاق التنفيذي يظل مشروطًا بقدرة النظام السياسي على اتخاذ قرارات مؤلمة تتعلق بحجم الخسائر، وتوزيعها، وإعادة هيكلة النظام المصرفي، وهي قرارات لم تُحسم بعد بشكل نهائي.

عليه، يمكن القول إن خطاب حاكم مصرف لبنان يشكّل إشارة سياسية – اقتصادية مهمة إلى أن الإطار الفكري للنقاش قد اقترب من منطق صندوق النقد، لكنه لا يعني بالضرورة أن الاتفاق أصبح قريبًا من الاكتمال. فالمسافة بين “تبنّي اللغة الإصلاحية” و”تنفيذ الإصلاحات” ما زالت هي الفاصل الحقيقي بين لبنان وبين أي برنامج إنقاذ مالي شامل.

Shares:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *